09 مارس 2011

أحياناً يجب أن تنظر إلى الخلف



منذ أن كنت طفلاً وكان يشغلنى دائماً نموذج الطفل الروبوتى الأنانى، هذا الطفل الذى ربّاه أهله على مبادىء مثل "مش مهم أى حاجة المهم تطلع الأول على الفصل" و "إياك تسمح لحد من صحابك يعطلك عن مذاكرتك" و"مصلحتك أهم حاجة"، تلك المبادى التى تجعل الطفل ينشأ مصاباً بمتلازمة الشهيرة، لتجده طفلاً لا يأبه لشىء سوى نجاحه الشخصى، لا يهتم كثيراً بمشاعر من هم حوله، يتخلص من كل صديق مستواه الدراسى يقل عنه ولو قليلاً فـ"مصلحتك أهم حاجة" ولا يماثلها شىء آخر أهمية، ولا حتى العلاقات الإنسانية !

كل همّه أن يتقدم إلى الأمام مقطّعاً أى رباط قد يمنعه من التقدم حتى ولو كان أهم الرباطات الشخصية لديه، ولو شعر للحظة أن شىء ما قد يبطىء تقدمه ولو قليلاً فهو يتخلى عنه دون أن يفكّر لحظة مهما كانت أهمية هذا الشىء، حتى ولو كان أقرب الأصدقاء أو الأحباء، كلما همّ بإتخاذ أى قرار يتردد فى رأسه الصوت القائل "مصلحتك أهم حاجة" فلا يطيل التفكير كثيراً...

نعم انا هنا مازلت أتحدث عن الأطفال، فقط أغمض عيناك وعد بذاكرتك إلى الوراء قليلاً وانا متأكد أنك ستعلم ما أتحدث عنه، فإما أنك كنت أحد هؤلاء، أو أنك عرفت بعضاً منهم فى طفولتك، فقد كان يوجد منهم إثنان على الأقل فى كل فصل فى المرحلة الإبتدائية بالتحديد! لكن هذا النموذج لم يكن ذا تأثير خطير، من منا قد يحزن الآن عندما يتذكر أن أحد أصدقائه فى مرحلة الطفولة فضّل عنه شيئاً آخر على أى حال؟؟
عندما كنا أطفالاً كنا سريعى النسيان، تشفى جروحنا وتختفى بسرعة البرق، ولا يبقى منها شيئاً بعد فترة وجيزة.

مرّت سنون كثيرة وكبرنا وسقط هذا النموذج من ذاكرتنا تماماً، حتى وصلنا إلى مرحلة الدراسة الجامعية ووجد كل منا مجموعة الأصدقاء القريبة منه التى يرتاح لوجوده فى وسطها، تلك المجموعة التى يشعر معها بالدفء، التى يعلم جيداً أنهم على إستعداد للوقوف إلى جانبه مهما كلّف الأمر، أنهم حتى على إستعداد لتلقّى الرصاص من أجله.

ولكن لأن الزمن لا يبطىء أبداً فإن تلك الفترة تجرى أيضاً بكل ما فيها من أوقات جميلة، وبكل ما فيها من جروح غائرة، وبكل ما فيها من علامات تركتها على وجوهنا و أرواحنا، حتى لتشعر أن تلك الفترة قبل أن تنتهى قامت بإعادة تشكيلك من الداخل تماماً كما يفعل النحّات بقطعة الحجر الصماء، تمر تلك الفترة أيضاً وفى النهاية لا يتبقى لك منها سوى هؤلاء الأصدقاء اللذين ظفرت بهم.

بعدها تأتى تلك المرحلة البغيضة، المرحلة التى تشهد محاولاتك المستميتة للحفاظ على من كانوا حولك وكأنك تتحدى الزمن الذى يحاول بكل ما أوتى من قوة التفريق بينهم وبينك، تستميت فى الدفاع عن حقك فى الإحتفاظ بهم، تصبح كالمخبول الذى يحارب فى كل الإتجاهات للحفاظ على علاقاته بهذا وذاك دون أن يسقط منه أحداً، فقط لتفاجأ ببعضهم وقد  قرر بنفسه الإبتعاد والتخلى عن كل شىء، والمضى قدماً بحياته دون أى سبب واضح، وتبدأ فى ملاحظة تلك الأعراض الشهيرة عليه وأنت صامت ومكبّل تماماً لا تعلم ما يجب فعله !

وكأنهم أدركوا أهمية الوقت فجأة، ينقلب حالهم تماماً، يقررون إسقاط جميع العلاقات الإنسانية التى كانت تجمعهم بأصدقاء الكفاح معتقدين أن إسقاط تلك الفترة التى كانت مليئة بالجروح القديمة هو شرط أساسى لدفعهم إلى الأمام <..>، تجده يبدأ فى الإبتعاد والإنسلاخ عن المجموعة بالتدريج، ولأن الضمير الإنسانى عادة لا يسمح لصاحبه بأن يفعل ذلك بسهولة، تجد هذا الشخص يقوم بتبرير ما يفعله لنفسه بأى سبب ساذج أبسطهم إنشغاله الدائم، ثم يقوم بتخدير ضميره تماماً بأن يحضر المناسبات التى يراها هامة فقط، فتجده يظهر مجاملاً بإستمرار فى جميع الأفراح والجنازات الخاصة بأصدقاؤه وكأنه يقوم بعمل الواجب، أما أن يقرر الخروج مع نفس مجموعة الأصدقاء لقضاء بعض الوقت معهم فهذا يحتاج لحسابات طويلة، فمن المؤكد أن هناك الكثير من الأشياء الهامة التى هى أولى بأن يفعلها فى مكان ما !

أذكر جيداً أثناء دراستى فى الكلية بعض تلك الخواطر التى كانت تأتينى بخصوص الأشخاص الآليين اللذين كنت أقابلهم بإستمرار، هؤلاء اللذين يتحركون وكأنهم يعملون بالريموت كونترول، وقتهم هو أثمن ما لديهم ولا يقدّرون أى شىء آخر، كنت دائماً اتسائل كيف يعيش هؤلاء؟ إذا كانوا يبخلون بوقتهم هكذا دائماً على من حولهم فكيف يعيشون؟ كيف يتعامل هذا الشخص مع أصدقائه وأقربائه؟ ولكن هذا لم يكن ليشغلنى كثيراً فأنا لم أكن أعرفهم جيداً على أى حال، أما أن تجد بعض أقرب الناس لك يتحولون لهذا النموذج، فهذا شىء يستحق التوقف عنده.

و لأنى كنت ألاحظ هذا النموذج دائماً وكنت ممن عانوا من آلام فقدان بعض أقرب معارفهم فى تلك الدوامة، قررت بمجرد أن تخرجت و وجدت فرصة عمل ألا أتحول مهما حدث إلى هذا النموذج الأنانى الذى أمقته أشد المقت، إتخذت قراراً ألا أفوّت أى فرصة لرؤية أصدقائى حتى لو كنت مقتولاً من الإجهاد ولدىّ من الأشياء ما يحتاج إلى الوقت بالفعل، قررت أننى لن أسمح لنفسى أن أتحوّل إلى إنسان آلى خال من المشاعر، لا ينظر سوى فى إتجاه الأمام متحاشياً تماماً رؤية من يقفون بجانبه، كيان خاوى لا يهتم بشىء سوى وقته الذى أصبح فجأة وبدون سبب أثمن من أن يضيع برفقة مجموعة من الأصدقاء.

لا أعلم لماذا قررت فجأة كتابة خواطرى بخصوص هذا الموضوع، لكنى عندما جائتنى تلك الأفكار اليوم لم أستطع إلا أن أكتبها، لعلها تنبه شخص لم يبدأ فى التحوّل بعد من تبعات الدخول فى هذا الطريق، أو تدق ناقوساً لدى أحد من ضاعوا فيه بالفعل فتردّه إلى صوابه قبل فوات الأوان.

فقط حاول أن تعطى بعضاً من وقتك لأحباءك، وتأكد تماماً أن هناك مجموعة من الحمقى فى مكان ما يفتقدون وجودك فى وسطهم بشدة، لكنهم أصبحوا يتحاشون التحدث عنك، ليس لأنهم نسوك، ولكن لأنهم يشعرون بغصة شديدة فى حلوقهم بمجرد تذكر فقدانهم لك بسبب أنانيتك التى لم تستطع أنت التحكم فيها.

أندرو جورج
09/03/2011

09 سبتمبر 2010

حالة


ده مش شعر ولا نثر، ولا قصة قصيرة ولا طويلة، ولا أى حاجة أعرف لها إسم، انا بصراحة مش عارف اية العك ده أصلاً، لكن ده الناتج الطبيعى لما تقلق من النوم فجأة الساعة 4 الفجر وتقرر إنك تفتح وورد !

حالة
  
(1)
اليوم أقابلها...
كعادتى وصلت مبكراً وأخذت فى الإنتظار،
(هذه الساعة اللعينة، لماذا تسير بهذا البطء؟)
لم أرها ولم أحادثها منذ فترة طويلة،
لماذا صارت لقاءاتنا متباعدة هكذا؟
لماذا أصبحت انا فقط من يطلب اللقاء،
وهى لا تهتم بأن نتقابل؟
لماذا أشتاق انا دائماً،
وهى لم يعد يبدو عليها الإشتياق؟
لابد أننى ضايقتها بغبائى المعتاد دون أن أقصد!
لكن لا يهم...
اليوم سأقرأ لها القصيدة التى كتبتها من أجلها،
وسوف تنسى كل ما يضايقها،
ثم يعود كل شىء كما كان وأفضل،
ها هى قد أتت!

(2)
اليوم قابلته...
كعادته قفز كالطفل بمجرد أن رآنى،
نفس المكان...نفس الكلام،
لماذا صارت أشعاره مكررة فجأة هكذا؟
لماذا صارت نكاته قديمة فجأة هكذا؟
ولماذا لم يعد كلامه غير ذا معنى بالنسبة لى؟
لماذا صار كل شىء سخيفاً؟
لقاءاتنا كالواجب الذى اؤديه على إمتعاض،
صرت أشعر بالملل من مجرد جلوسى معه،
قديماً كنت أشعر بالإنبهار ناحيته،
والآن...لا شىء!
أصبح كالفيلم الذى شاهدته مئات المرات من قبل،
كالكتاب الذى قرأته حتى مللت منه تماماً،
كم أتمنى أن نعود كالسابق،
لكن مشاعرى ليست شيئاً يمكننى التحّكم به...

(3)
ما معنى تلك النظرة يا حبيبتى؟
ولماذا التعليقات السمجة على كل ما أنطق به؟!
حاولت أن أمازحها منذ بداية جلستنا،
لكن يبدو أن نكاتى لم تعد تضحكها!
أخبرتها أننى كتبت لها قصيدة جديدة،
لم يبدو عليها التأثر!
قرأتها...
لا شىء!
يبدو أنها لم تعد تهتم
لم يعد يظهر عليها التأثر القديم بكلامى
ألست انا شاعرك؟
ألست انا فارسك؟
أليس هذا ما كنتِ تخبرينى به دائماً؟
ما الذى حدث إذاً؟؟
شىء ما قد تغيّر...

(4)
نعم لم أعد أشعر تجاهه بأى شىء،
ولا أعلم لماذا!
ونعم...هناك شخص آخر،
إنه أكثر هدوءاً ونضجاً، وليس متطلباً مثله،
وربما لو طلبت منه أن يتسلق الهرم لأجلى،
لفعل...
لكن الآخر كان سيتعلل بكسله!
ولو طلبت منه أن يحضر لى جوهرة من قاع البحر،
لفعل...
لكن الآخر يغرق فى شبر ماء!

(5)
لماذا صرنا هكذا؟
بل لماذا صرتِ أنتِ هكذا؟
أفجأة أصبحت انا مليئاً بالعيوب؟
أفجأة اختفى كل ما كنت تمتدحينه فىّ فى السابق؟
كل شىء أفعله هو تصرف أحمق،
وكل تعليق أقوله هو تعليق غبى،
وكلما شكوت تتهمينى بأننى أصبحت كثير الشكوى،
والآن المطلوب منى أن أصمت،
وأن أقبل كل ما يحدث ولا أفهمه،
لكن سأحتمل، سأحتمل لأجلك،
فبالتأكيد كل هذه ظروفاً عابرة،
لقد مررنا بالاسوأ ونجونا معاً،
وكل مرة كنا نعود ونتمسك ببعضنا البعض أكثر،
بالتأكيد هذه المرة كسابقاتها...

(6)
لابد أن أكون صريحه معه،
لم أعد أريده،
لكن ليكن هذا سريعاً،
حتى لا أعذبه أكثر من ذلك،
فالقسوة ليست من طباعى،
حبيبى...باى!

(7)
رَحَلَت!!!!!!
وتبدأ الحلقة المفرغة...
لماذا فَعَلَت ذلك؟؟
شعور بالبلاهة، عدم التصديق، عدم الفهم،
أطنان من الحزن تجثم على صدرك،
وتمنعك من التنفس،
ودموع تهرب منك عندما تكون وحيداً،
لكنك تقنع نفسك بأنك أقوى من ذلك،
وأن الزمن يداوى كل شىء،
ثم تعود مرة أخرى لتسأل لماذا فعلت ذلك...
متى سأخرج من تلك الدائرة؟؟

(8)
اليوم يوم زفافى،
اليوم بداية حياتى،
زوجى العزيز...
كنت أظن أن حياتى قبلك ذات قيمة،
لكن كم كنت حمقاء،
وكم فى الماضى بنيت قصوراً فى الهواء،
لكنى رميت كل هذا من أجلك،
فما سبقك لم يكن يستحق على أى حال!

(9)
ويمضى الزمن...
تَرَكَت فىّ جرحاً غائراً لكنها علمتنى الكثير؛
علمتنى أن هناك حسابات أخرى،
علمتنى أن حبى الطفولى الأحمق
لم يكن يصلح لهذا العالم،
لم أستطع التغلب على هذا الجرح العميق بسهولة،
فالألم يعود من كلمة أو أغنية أو رائحة لها ذكريات ما،
لكن كل شىء يضيع مع الوقت،
ولا يبقى فى النهاية سوى ذكريات،
و...
"عندى ليك عروسة"!

(10)
لماذا تطاردنى تلك الأغنية؟
كلما سمعتها صدفة تذكرته...
أحياناً أفتقده،
فى وقت ما كان يفهم ما أريد قوله دون أن أنطق،
كان يشعر بحزنى دون حتى أن يرى وجهى،
وكان دائماً ما يُضحكنى.
ما الذى جعلنا نفترق؟
لا أذكر حقاً!
ثم لماذا أفكر فيه أصلاً،
ألست أمتلك كل شىء؟
لماذا أحلم بعالم آخر،
أليس هذا هو العالم الذى تمنيت أن أعيشه؟
مين أين يأتى هذا الشعور الموحش إذن؟
لماذا يزورنى هذا الإحساس بالغربة وانا فى منزلى؟
ذلك الشعور بالخواء
مازلت أذكر حينما كان...
اللعنة!
علىَّ إحضار الأولاد من الحضانة !

(11)
تَزَوَّجْتها!
هى لا تشاركنى نفس إهتماماتى،
ولكنها طيبة القلب
أحياناً أجرحها،
لكنها تتحملنى بشكل لم أعهده من قبل،
وأحياناً تجعلنى أريد خنقها،
لكننا نعود ونتصالح سريعاً،
تتحمل المسئولية ومحبوبة من الجميع هى،
لكنى لا أستطيع الهرب من فخ المقارنة...
كلما تذكرت حبيبتى القديمة شعرت بشىء ما مفقود،
ذلك الفراغ الذى لا يمكن وصفه،
ولن يستطيع أحداً أن يملأه.
لابد أنه الطمع البشرى المعتاد!
لكن من هذا الذى يحصل على كل شىء؟
لابد أن أحمد الله على هذه الزوجة الرائعة،
وعلى هؤلاء الأطفال الرائعين...
سأفعل كل ما بوسعى لإسعادهم،
فهؤلاء هم عالمى الآن،
وليذهب جرحى القديم...إلى الجحيم!

أندرو جورج
08/08/2010

 
ليش الحب الاول مابيرضى يفارقنا
بيرجع من الاول عالماضى يفيقنا
نكبر مهما كبرنا بيرجعنا صغار
بيصير يذكرنا بيرمينا بالنار
وبناره بيحرقنا .. بيحرقنا
ليش الحب الاول مابيرضى يفارقنا

(جوليا بطرس - ليش الحب الأول)

Video


Mp3

25 يوليو 2010

حتى لا نحرقها

 
يُحكى أن ولداً صغيراً كان يرعى الغنم بالقرب من مدخل إحدى القرى، وكان كلما شعر بالملل يقوم بتسلية نفسه بأن يصرخ "الذئب قادم!"، وعندما كان أهل القرية يسمعونه ثم يكتشفون زيف إدعائه، كانوا يغضبون منه بشده ثم يعودون إلى أعمالهم. شاءت الظروف أن فى إحدى المرات جاء ذئب فعلاً، فصرخ هذا الولد بكل ما أوتى من قوه، ولكن هذه المرة لم يصدقه أحداً من أهل القرية، فكانت النتيجة أن أكل الذئب قطيع الخراف والولد الصغير، وفى بعض النسخ من قصة الأطفال القديمة تلك يقوم الذئب بالفتك بأهل القرية أيضاً.


قفزت هذه القصة إلى ذهنى فجأة مع بوادر إشتعال فتنة جديدة فى محافظة المنيا هذه المرة، فجأة ظهرت بعض الأخبار فى الجرائد تقول أن هناك زوجة كاهن "إختفت"...والفقرة القادمة هى من الخبر المنشور فى جريدة اليوم السابع دون أى تدخل:
كما شارك فى المظاهرة لأول مرة 50 كاهنا من داخل الكنيسة، وهتف المتظاهرون وقالوا: "يا مسيحى عللى صوتك ما تخليش الدنيا تفوتك"، و"اصرخ اصرخ على الصوت اللى بيصرخ"، و"خطفوا مرات أبونا.. بكرة هيخطفونا"، و"أمن الدولة ساكت ليه أنت معاهم ولا إيه"، كما رفع بعضهم لافتات تطالب الرئيس مبارك بالتدخل مكتوبا عليها: "أقباط دير مواس يناشدون الرئيس مبارك بسرعة عودة زوجة الكاهن المختطفة"
إنتهى الإقتباس، طبعاً أنت كمصرى تجد السطور السابقة منطقية ومترابطة إلى حد كبير...لكن أرجوك تخيل معى لو أن شخصاً غريباً عن مصرنا قام بقراءة هذا المقال، ألن يشعر بوجود حلقة بل حلقات مفقودة بين السطور السابقة؟ ألن يتسائل ما العلاقة بين هذا الكلام وبعضه؟ ألن يعلق متعجباً "هل تقومون بالخروج فى مظاهرات عندما تختفى إمرأة عندكم؟واااااااو!"؟ وربما يتساءل فى منتهى البراءة "وما دخل أمن الدولة بإختفاء أى إمرأة أصلاً أليست مهمة البحث عن المفقودين من إختصاص الشرطة؟ ثم من الذى قال أنها خطفت أصلاً ألم تقولوا أنها إختفت فقط؟ وتطلبون من رئيس الدولة التدخل شخصياً للبحث عنها؟! لابد أنكم دولة محترمة تحافظ على مواطنيها بشدة!"
ألن تكون هذه هى تساؤلات الخواجة البريئة، التساؤلات المنطقية التى لا يحكمها أى خلفيات طائفية مترسخة؟ ولكن يبدو أننا اعتدنا تلك القصص المفزعة حتى أصبح من الطبيعى أن تكون تلك الفقرة المقتبسة نتيجة طبيعية للسطر الذى سبقها!
 بمجرد إختفاء تلك السيدة بدون سبب تم إخراج نظرية المؤامرة التى أدمنها المصريون جميعاً إلى النور، وقامت المظاهرات وبدأت الإعتصامات داخل الكاتدرائية، وبدأ التنديد ومطالبة رئيس الجمهورية للتدخل لحلّ الأزمة، وأشتعل كل شىء، فقط لتظهر السيدة فجأة مرة أخرى مع تصريحات بها الكثير من النقاط الغامضة، ولكن ذكر فيها أن السبب الرئيسى كان الخلافات العائلية، والتى قررت الزوجة على اثرها ترك المنزل. فجأة يهدأ كل شىء وتنتهى الإعتصامات وتنزل اللافتات ويعود كل شخص إلى منزله، ولا أستطيع حقاً تخيّل ما كان يمكن أن يحدث لو لم تظهر تلك السيدة فى هذا الوقت القصير!
ما أن بدأت المشكلة حتى عادت إلى الأذهان مشكلة وفاء قسطنطين، التى مازال يصر أحد الطرفان بإستماتة على أنها أختطفت وأجبرت على تغيير ديانتها، وهؤلاء مقتنعون تماماً أن هناك تنظيمات إسلامية فى مصر لا هم لها ولا طائل سوى خطف فتيات الأقباط وإجبارهم على تغيير ديانتهم، بينما يصر الطرف الآخر أنها قامت بفعل ذلك بمحض إرادتها تماماً ولكن بسبب ضغط الكنيسة على الدولة قامت الدولة بتسليمها للكنيسة، وهذا الفريق قرر تصديق أن هؤلاء الذين يتركون المسيحية يتم حبسهم وتعذيبهم فى الأديرة(!)، والتى هى بالطبع ليست سوى مخازن سلاح متخفّية(!!)، وأن وفاء قسطنطين ماتت من أثر تعذيبها فى الدير(!!!).
هل يمتلك أى من الفريقين ما يؤيد كلامه؟ لا. هل يبدو كلام أحدهم منطقياً أصلاً؟ لا. هل ظهرت أى تصريحات فى هذا الموضوع كمحاولة للقضاء على الشكوك؟ هذا الموضوع بالذات كان شديد الريبة وبالتأكيد هناك شىء خطأ به، ولكن رغم ذلك لم تصدر أى تصريحات لتهدئة أى من الأطراف المشاركة! أى أن المشكلة أثيرت وتم تضخيمها إلى أقصى الحدود ولم تتم معالجتها نهائياً، فتحوّلت إلى جرح قديم يؤلم جميع الأطراف بمجرد أن تنكأه أى قصة أو حدث جديد من هذا النوع، جرح سببه الرئيسى هو عدم الفهم!
هل مازلت تتسائل عن علاقة قصة الأطفال التى ذكرتها فى بداية الحديث بهذا الموضوع؟ القصة هى مفتاح المشكلة، فالسبب ببساطة أن عدم إهتمام الحكومة والأمن بحل المشاكل السابقة -الحقيقية منها- قام بخلق خلفية راسخة لدى الأقباط أصبحت تقوم بإستمرار بتحويل كل حادثة عادية إلى حادثة طائفية حتى لو لم تكن كذلك، فلو كانت المشاكل الطائفية الحقيقة السابقة لاقت ولو القليل من الإهتمام وتم حلّها بمنتهى العدل والحيادية، لما أصبحنا فى مصر كمن يسير على طريق ملىء بالألغام كلما اختفت فتاة شاءت الأقدار أن تكون مسيحية، حيث يتجه التفكير مباشرة إلى الأسباب الطائفية قبل الأسباب المنطقية، فمن كثرة إنكار وإهمال المسئولين للحوادث الطائفية الحقيقية وعدم التدخل لحلّها حلاً جذرياً أصبحت كل المشاكل التالية حتى الغير حقيقى منها ذئباً قادم ليلتهمنا، ومهما حاولت الحكومة إثبات أن هذه المرة المشكلة لم تكن طائفية حقاً فلن يصدقها أحد أبداً، كيف يصدقها أحد وقد خدعتنا كل هذه المرات السابقة؟ لابد أنها مشكلة طائفية أخرى يقومون بإنكارها إذن! عندها قد يأتى الدمار علينا فعلاً بسبب مشكلة وهمية قد لا يكون لها أى أصل من الصحة.
وحتى لو نظرنا على مستوى أصغر إلى تفكير الفرد الواحد نفسه، سنجد نمط التفكير ذاته بداخل رأس كل قبطى فى مصر، ماذا تتوقع من شخص عاش طوال حياته يقابل العديد من المواقف الغريبة بسبب ديانته؟ ماذا عن مدرس اللغة الإنجليزية الذى صرخ فيك عندما كنت طفلاً تأكل الشطائر فى الفسحة كعادتك "طب إتداروا وانتوا بتاكلوا الله يحرقكوا" فقط لتفهم لاحقاً أنه أصبح واجباً عليك أن تصوم شهر رمضان انت أيضاً؟ ماذا عن سائق الميكروباص الذى عندما طلبت منه أن ينزلك أمام الكنيسة قال لك بإستنكار "لية كده بقىىىىىى"؟، العديد من المواقف التى قد يراها من لم يعشها شديدة التفاهة، لكن تراكمها وعدم توقفها هو الذى يؤدى إلى تكوين تلك الخلفية الطائفية بداخل الشخص، والذى يؤدى بدوره إلى الكوارث التى تقرأ عنها فى الجرائد لاحقاً، حيث تكون النتيجة الحتمية أن أصغر موقف سيقابله الشخص فى وقت لاحق -حتى لو لم يكن للموقف بعد طائفى أصلاً- سيعتقد أن له أسباباً طائفية، فتجد أنه من الطبيعى أن تعتقد سيدة مسيحية أن أحد الباعة عاملها بجفاء وقلة ذوق فقط لأنه رأى الصليب المتدلى من عنقها وليس لأنه بائع سمج أصلاً، وأصبح الشاب المتقدم للوظيفة يعتقد أنه تم رفضه لأن إسمه "مينا" فقط، وليس لأنه قد يكون غير كفء للوظيفة المتقدم لها. قم بتطبيق هذه المبادىء البسيطة على مقياس أوسع لتدرك حجم الكارثة وتفهم المحرك الرئيسى لتلك المظاهرات، فالجميع يرى أنه لابد أن الفتاة المختفية خطفت لأنها مسيحية وليس لأن هذا قد يكون حادث خطف أو سرقة أو إغتصاب عادى، فالطائفية بكافة صورها تتسبب فى أن يصبح التفكير والتفسير المنطقى هو آخر الأشياء التى قد يفكر بها الشخص، فهو لا يرى الحياة سوى من خلال منظار واحد يعميه عن الكثير من الحقائق.
إن ما نعانى منه هو نتاج عدة أزمات متراكبة وليست أزمة طائفية فقط، فلقد تدخلت أزمة إنعدام الثقة فى الآخر المختلف مع مشكلة الترسبات الطائفية القديمة مع أزمة إنعدام الثقة فى أفعال وتصريحات الحكومة، لخلق وحش أسطورى قادر على إلتهامنا جميعاً فى لحظات معدودة بمجرد أن يقوم أى شخص بحلّ وثاقه، وهذا الأمر أصبح يتم الآن بمنتهى السهولة، فقط أطلق شائعة صغيرة وشاهد السحر يحدث أمام عينيك! لكن رغم إعتراضى على أن الكثير من الأقباط يبالغون كثيراً فى إيعاز كل شىء إلى الطائفية والإضهاد الدينى، ولكنهم لم يخلقوا هذه الطائفية بمفردهم، فهى لم تظهر سوى بوجود مسببات لها لا أعتقد أن أحداً مازال فى حاجة لذكرها.
بصراحة شديدة ليست مشكلتى الآن كون السيدة كاميليا خطفت أم لا، فهذه -صدق أو لا تصدق- لم تعد المشكلة الرئيسية، ولكن المشكلة الآن أصبحت فى إنعدام الثقة التام بين الجميع سواء بين أطراف الشعب على إختلاف ديانتهم، أو بين الشعب والحكومة كتصريحات، فحتى لو كانت لم تخطف فعلاً من الذى سيصدق ذلك الآن وكيف ستقنعه بذلك؟ ربما لو كانت المشاكل الطائفية الحقيقة السابقة حلّت بشىء من الشفافية بعيداً عن سياسة التجاهل والتصريحات الغير منطقية، لما ظهرت لدينا مشكلة إنعدام الثقة والشعور بالأمان التى أدت بدورها إلى عدم تصديق أى شىء، حتى لو كانت السيدة كاميليا لم تخطف فعلاً وقامت بنفسها بالمرور على منزل كل قبطى فى مصر لتخبره أنها لم تخطف!
رغم أننى لست ممن يهتفون ويشجعون نظرية المؤامرة فى كل كبيرة وصغيرة، ورغم إيمانى الشديد أننا نحن -كمصريين- السبب الرئيسى فى كل ما يحدث، لكن أحياناً يحضرنى ذلك الشعور أننا كالعرائس فى يد أحدهم يقوم بمنتهى السهولة بتحريكنا وجعلنا نتقاتل ونتناحر، ثم يقوم بوضعنا على الرف قليلاً ليعود لللعب بنا مرة أخرى لاحقاً! ولكن حتى لو كان أحدهم يتربص بنا بالفعل ويقوم بإشعال تلك الازمة متعمداً كل فترة، فهو ما كان ليستطيع فعل أى شىء لولا أننا -كمصريين أيضاً- فتحنا له الباب على مصراعيه ليفعل بنا كما يشاء، فلو كنا نمتلك القليل من العقل بداخل رؤوسنا لما استطاع أى شخص أن يقوم بإشعال النار فينا كل فترة بهذا الشكل المستفز.
اندرو جورج
25-7-2010
ملحقات:
*
فرج فودة والفتنة الطائفية الحلقة الثامنة
"هنا الشائعة مدروسة...لية؟ لأنها تركز على جانب العرض، وجانب العرض الإنسان العربى فينا لما يشعر إن عرضه قابل للإنتهاك يثور دون تفكير"
~~ شهيد الكلمة د. فرج فودة


*
إبراهيم عيسى - لن تكون الأخيرة
"لأن مصر صارت بلدًا متعصبًا وبلد كراهية بين أصحاب العقيدتين رغم النفاق المزري الذي نراه من رجال الدين من الناحيتين، ورغم كذب الحكومة الكذوب في نفي وجود أزمة واحتقان طائفي في البلد. مصر يسودها التطرف والتعصب والجهل سواء عند المسلمين أو المسيحيين بسبب الكبت والقهر والفساد وسيادة الدعاة السلفيين والوهابيين علي رؤوس المسلمين وسيطرة رجال الكنيسة والكهنوت علي مخ وحياة الأقباط.
أقول لكم صادقًا وصائحًا: الضربة في قلب مصر ستأتي من التعصب الطائفي.. فاحذروا!"


* إسلام «وفاء قسطنطين» وتنصير «محمد حجازى» قضايا إشعال الفتنه فى كاتدرائية العباسية
"الصوت العالى والضجة الكبيرة دائما ما تخلف وراءها إشاعات وروايات لا تخرج عن الخيال، بل مظاهرات تدين المسلمين بعد أن أجبروا المهندسة وفاء على اعتناق الإسلام وأخرى تدين المسيحيين بعد تنصر محمد حجازى.. الجدل وصل لأعلى مراحله ليثار تراشقا بين مفكرين إسلاميين وقساوسة."