27 ديسمبر 2013

فى فنّ الهرى: اللواء فى إطلاق الريح فى الهواء

الشركة الوطنية الدولية المهلبية للصناعات اللى تعجبك قوى ش.م.م
(دراسة حالة)


(مشهد 1)
غرفة مكتب فخمة شديد الإتساع، تحتوى على مكتب ضخم مهيب، بالإضافة إلى الكثير من الأرائك والكراسى الفخمة والتحف، ومائدة إجتماعات مستطيلة تقبع فى الجانب الغربى من الغرفة.

خلف المكتب الضخم يجلس شخص أشيب ذو كرش متدلى و يبدو عليه الخبرة –الرجل لا الكرش- ولكن رغم ذلك السن المتقدم فإن نظرات عينيه يبدو فيهما بريق من حماس الشباب. يظهر لنا الرجل ممسكاً بإحدى المجلات الإنجليزية التى إعتاد قضاء وقته أمامها فى الصباح أثناء شرب فنجان القهوة الخاص به.

“Latest studies conducted in over 200 organizations have proven that getting rid of negative energy on daily basis by means of employee group activities can increase the productivity amongst employees by up to 40% more.”

إعتدل الرجل فجأة فى جلسته وبدا عليه إهتمام شديد، ولكنه رغم إهتمامه لم يكمل القراءة، فقد إعتاد وهو المدير العام لتلك المؤسسة العريقة على أسلوب الفهلوة و "لقطها وهى طايرة"، وهذا الذى أوصله لذلك المنصب الذى لم يعد ينازعه عليه أحد بعد كل تلك السنوات من الخبرة حتى أصبح هو وذلك الكرسى ككتلة واحدة، لذلك فقد طوّح المجلة جانباً وقام بضغط أحد الأزرار فى مكتبه قائلاً بحزم:

"ماجدة...إجمعيلى كل المديرين بسرعة...بلغيهم إن فيه ميتينج مهم جداً معايا خلال ربع ساعة بالكتير."



(مشهد 2)

نفس الغرفة حيث يجلس المدير العام مع كبار مديرى الشركة حول مائدة الإجتماعات الكبيرة. يمسك كلاً منهم بقلم فى وضع الإستعداد للكتابة على الأوراق الموضوعة أمامهم، راسمين على وجوههم نظرة الطالب الدحيح الذى يحاول كتابة كل ما يقوله المدرس...

- المدير العام: انا جمعتكم النهاردة عشان موضوع مهم جداً، انا لاحظت إن الجو العام فى الشركة يفتقد للحماس، الموظفين والعمال وكل الناس داخله الصبح قرفانة ومعندهاش روح الإقبال على العمل خالص، فأنا إهتميت بالموضوع وبحثت فيه ولقيت إن أحسن طريقة هى إننا نعمل نشاطات جماعية مشتركة للشباب بتوعنا بشكل يومى ثابت ولو لمدة نص ساعة حتى، بحيث نساعدهم على إخراج الطاقات السلبية اللى عندهم وده هيخليهم مبسوطين ويقبلوا على العمل أكتر خلال اليوم، ها اية رأيكم؟



- مدير مـ**ـص 1: دى فكرة ممتازة يا أفندم! فعلاً الموظفين عندهم إحباط عشان مش بيعملوا نشاطات يومية بره الشغل.



- مدير مـ**ـص 2: فكرة رائعة وبتصب فى مصلحة ولادك كالعادة يا أفندم، وكالعادة برضة بنتعلم من حضرتك إزى نهتم بالناس بتوعنا ونخليهم هما الأولوية فى أى قرار بناخده...إحم...بعد الرجوع لحضرتك فيه طبعاً.


- مدير مـ**ـص 3: انا مع حضرتك قلباً وقالباً. طب ايه رأى حضرتك نعمل دورى كورة وشطرنـ...

- المدير العام (مقاطعاً): لأ لأ سيبك من التفاصيل انا ورايا حاجات كتير النهاردة، انا عايز كل واحد فيكم ينفذ الفكرة فى إدارته وييجى بس يقولى النتيجة اللى هو وصل لها مع الناس بتوعه بعد أسبوع من النهاردة. تقدروا تتفضلوا.



(مشهد 3)
مدير مـ**ـص 1: مجتمعاً فى غرفة مكتبه بفريقه...

مدير مـ**ـص 1: ...وعشان نزود من طاقتكم الإيجابية انا أقترح إننا نعمل نص ساعة نفضل نتف فيها على الشجر فى الجنينة، وكل واحد فيكم يتخيل الشجرة اللى قدامه أكتر شخص بيكرهه فى العالم.

موظف مـ**ـص 1(محدثاً نفسه): وانا هتف على مين غيرك يابن الـ...

مدير مـ**ـص 1: بتقول حاجة يا مجدى؟

موظف مـ**ـص 1: لا يا أفندم بقول دى فكرة رائعة، انا أساساً بقعد أتفتف طول اليوم لوحدى على سبيل التسلية.

مدير مـ**ـص 1: ها اية رأيكم؟ لو حد عنده إقتراحات تانية يقول انتوا عارفين انا بحب أسمعكم.

موظف مـ**ـص 2: انا شايف إنها فكرة عبقرية، ممكن كمان كل واحد فينا يلزق صورة مراته أو حماته على الشجرة عشان يتف بقلب كده.

موظف مـ**ـص 3: إحنا ممكن كمان نقسم الأرض مسافات ونعمل مسابقة أبعد تفه.

مدير مـ**ـص 1: هايل! انا سعيد جداً بالحماس اللى عندكم ده، هنبدأ من النهاردة إن شاء الله.



(مشهد 4)
مدير مـ**ـص 2 مجتمعاً فى غرفة مكتبه بفريقه...

- مدير مـ**ـص 2: ...وبناء عليه، انا أقترح إننا كل يوم الصبح أول ما نوصل الشغل، هنقف فوق سطح المبنى وكل واحد يمسك إيد زميله اللى جنبه ونعمل ببى سوا فى نفس الوقت.

- موظف 1: أفندم؟!

- مدير مـ**ـص 2: خير يا محمود؟ انا شايفك قاعد أصلاً باصص بإستهتار كده للكلام من ساعة ما بدأنا الإجتماع، ودلوقتى بتسأل بإستنكار، فيه حاجة؟

- موظف: يا أفندم إيجابية اية اللى حضرتك بتتكلم عنها دى؟ مانتوا عارفين الناس متضايقة وقرفانة ليه، الناس مسحولة فى الشغل ومعندهاش تأمين ولا بتقبض كويس وبتتعامل معاملة زى الزفت و...

مدير مـ**ـص 2 (مقاطعاً بإنفعال شديد): إنت هتفضل طول عمرك كده، إنسان سلبى رافض التطوير، لو كان تفكيرك إيجابى كنت تعاونت وساعدت فى تطوير المؤسسة العظيمة اللى انت شغال فيها، لكن مفيش فايدة وكل مره أديلك فرصة عشان تصلح من نفسك مش بتستغلها.

- موظف: يا أفندم بس ده...

مدير مـ**ـص 2 (مقاطعاً فى غضب): خلاص خلص الكلام متضيعش وقت الإجتماع سيب زمايلك يتكلموا، اية رأيكم؟

موظف مـ**ـص 1: فكرة ممتازة، انا هشرب صاروخين بيبسى الصبح وانا جاى فى العربية أساساً.

موظف مـ**ـص 2: انا هجيب دوا مدر للبول ليا ولزمايلى كل يوم، انا كمان بقترح إننا نقسّم الأرض مسافات ونشوف مين فينا هيجيب أكبر مسافة وياخد جايزة تقديرية بسيطة.

موظف مـ**ـص 3: هتعاون مع زمايلى حتى آخر نقطة يا أفندم، بس انا عندى سؤال، هو إحنا لو كنا ماسكين إيدين بعض إزاى هنـ...

مدير مـ**ـص 2: مش عايزين نتكلم فى تفاصيل فردية، انا بحب أسيب مساحة للكريتيفيتى لكل واحد عشان يبدع، إتصرف وأبدع بقى، ولا إنت عايزنى آجى أقول لك تعمل ببى إزاى كمان؟

يضحك الفريق بشدة على قفشات المدير اللطيفة...



(مشهد 5)
مدير مـ**ـص 3 مجتمعاً فى غرفة مكتبه بفريقه...

مدير مـ**ـص 3: نص ساعة Meditation كل يوم فى المكتب على الأرض، تصفّى النفس وتجيب لكل واحد الـInner Peace اللى محتاجه، واللى هيتحرك من مكانه خلال النص ساعة هياخد على قفاه...
...



(مشهد 6)
غرفة المدير العام فى إجتماع مع المديرين بعد أسبوع...

مدير مـ**ـص 1: التجربة كانت ممتازة يا أفندم وجابت نتائج رائعة، والأسبوع ده حققنا زيادة فى المبيعات أكتر بـ20%.

مدير مـ**ـص 2: التجربة يا أفندم كانت ناجحة نجاح شديد، وكشفت لنا عن بعض الموظفين السلبيين اللى كانوا بيعرقلوا التطور فى الشركة وطردناهم عشان إحنا مش هنسمح لحد ينشر السلبية داخل الشركة بعد النهاردة.

مدير مـ**ـص 3: إحنا الموظفين عندنا بقوا بيتمتعوا بهدوء داخلى وإيجابية رهيبة يا أفندم من يوم ما نفذنا فكرة حضرتك الرائعة.

المدير العام: انا فخور بكم جداً وبعتبركم دراعى اليمين فى كل حاجة وبعتمد عليكم فى تطوير وتحسين المؤسسة دى دايماً وإنتم بتثبتوا لى كل مرة إنكم أهل للثقة، انا هبلغ ماجدة تعمل لى ورقة بمكافأة 3 شهور لكل واحد منكم.



(مشهد 7)
نفس المدير العام نراه يجلس فى نفس المكان، ممسكاً بإحدى مجلات المنوعات، وعيناه تطالعان الصور والعناوين فى رشاقة...

"لقد ساعدنى الرقص الشرقى منذ طفولتى على إخراج جميع طاقاتى الكامنة، وكم أتمنى أن يمارس الجميع الرقص الشرقى فى كل مكان حتى يخرجوا طاقاتهم مثلى."
- الراقصة صافينار

يعتدل الرجل فى جلسته فجأة ويبدو عليه الإهتمام الشديد...

== تمت ==

26 يوليو 2013

لماذا لن يموت الشيطان



(1)
لأن القط توم لن يتمكن من قتل الفأر چيرى أبداً، هذا سيؤدى إلى إختلال موازين الكون بكل تأكيد...!


(2)
هل تراه؟ إنه هناك، هو عدوّك اللدود، يتربص بك ويريد القضاء عليك إذا تمكن منك...
تقول أنك لا ترى شيئاً؟ لابد أنه ماهر حقاً! سيقضى عليك حتى أسرع مما توقعت. مازلت لا تراه حتى الآن؟ يالك من طفل أحمق مصاب بالعمى!
إذهب للإختباء هناك بسرعة! بل هناك! هل تسمع خطواته؟! هو قادم فى طريقه ليدمّرك بلا شك!
حسناً، أرى أنك بدأت تشعر بوجوده الآن، بدأت ترى آثاره وتسمع خطوات أقدامه، بدأت تراه فى خيالك وحشاً كبيراً يريد إلتهامك، بدأت تخافه، الآن بدأت تفهمنى...


(3)
إن الإنسان بطبيعة تكوينه يحتوى على طاقة سلبية خرافية يجب أن يقوم بتفريغها فى أحد الإتجاهات حتى يستقر نفسياً، ومن هنا نكتشف أنه هناك دائماً شيطان خاص بكل جماعة، وحسب كل بلد وكل ظرف سياسى، حتى يستطيع الإنسان تفريغ تلك الطاقة السلبية تجاهه. قد يزداد عدد الشياطين عن واحد فى حالات نادرة جداً، ويتم ضمهم فيها تحت مظلة واحدة لتوحيد قِبلة الكراهية فى إتجاة واحد. بحثت فى اللغة العربية ولم أستطع الوصول إلى لفظ يصف ما أتحدث عنه، ولكن أعتقد أن الكلمات الأقرب موجودة فى اللغة الإنجليزية وهى كلمات Archenemy أو Nemesis.

nem-e-sis
  [nem-uh-sis]
noun, plural nem-e-ses  [nem-uh-seez].
1. something that a person cannot conquer, achieve, etc.: The performance test proved to be my nemesis.
2.
an opponent or rival whom a person cannot best or overcome.

الحقيقة أننا بحاجة إلى الشيطان، لابد من وجود كيان ما تكرهه حتى تستمر فى الحياة، هو نوع من الإتزان الكونى الطبيعى الذى لن تفهمه أبداً. نجد أنه حتى الديانة المسيحية -وهى دين المحبة الذى لا مكان فيه لكلمة الكراهية- لم تتمكن من إنكار أو كبت تلك الطاقة السلبية التى يبدو وكأنها تولد مع الإنسان، بل تم توجيهها بالكامل تجاه كيان (عدو الخير) الذى يقوم بإغواء الإنسان بإستمرار ليفعل الخطايا. 

فى رواية 1984 العبقرية للكاتب چورچ أورويل، نجد أن شيطان الرواية هو "جولدشتاين" عدو الشعب رقم 1، وهو –بحسب الرواية- شخص كان من أعضاء الحزب الداخلى ثم أنقلب على الحزب، وأسس تنظيم سرى يحاول عن طريقه هدم كيان الدولة. فى الرواية -وبطريقة چورچ أورويل العبقرية- يصف لنا كيف أنه كانن الحكومة تُخصص وقت يومى بشكل منتظم يسمى دقيقتان الكراهية (Two Minutes Hate) حيث يقف الجميع أمام شاشة بها صورة جولدشتاين عدو الدولة، ويقوم الجميع بالصراخ وإلقاء الأشياء ناحية الشاشة لتفريغ كراهيتهم.

فى نهاية الرواية وأثناء تعذيب بطل الرواية "وينستون"، يعرض عليه معذبوه أن يجيبوه على أى سؤال يريد أن يعرف إجابته، فيطلب البطل من معذبيه أن يعرف: هل جولدشتاين هذا حقيقى أم هو أكذوبه إخترعها الحزب؟ فيرفضون إجابته على هذا السؤال بالذات.

Winston: Does the Brotherhood exist?
O'Brien: That, Winston, you will never know. If we choose to set you free when we have finished with you, and if you live to be ninety years old, still you will never learn whether the answer to that question is Yes or No. As long as you live it will be an unsolved riddle in your mind.

كذلك تعرض لنا الرواية حالة الحرب المستمرة بين الدولة العظمى التى يعيش بها بطل الرواية (أوشيانيا) وإحدى الدول العظمى الأخرى أياً كانت (شيطان آخر خارجى) فى لعبة لا تنتهى أبداً من التقدم والتقهقر والمناوشات، لابد من وجود عداوة كبرى ما، لابد.


(4)
لو أسقطنا الأمر على الساحة السياسية الآن فالشيطان أصبح هو الإخوان المسلمين، بينما من سنة كان الشيطان هو المجلس العسكرى، وقبلها بسنة أخرى كان نظام مبارك والحزب الوطنى. أعط الناس شيطاناً يكرهوه، إياك أن تحاول خنق الطاقة السلبية وإلا سيحدث إختلال عقلى مؤكد، بل قم بتوجيهها حسبما شئت لمصلحتك الشخصية. إخلق عدواً خارجياً ما لتوحّد الناس ضده تحت رايتك. حتى لو شاءت الصدف أنك كنت عدواً قديماً لهم فى الماضى فبمجرد خلق الشيطان الجديد يتم تفعيل مبدأ "انا وأخويا على إبن عمى إلخ..." أوتوماتيكياً وتتجه طاقة الكراهية إليه.

الشيطان هو النادى الأهلى إن كنت زملكاوياً والعكس صحيح، هو تونس فى كرة القدم إن كنت مصرياً عموماً، هو الإخوان فى أيام حُكم عبد الناصر، هو إسرائيل فى أيام حُكم السادات، الشيطان هو - فى محل عملك - ذلك القِسم الآخر اللعين الذى لا يسمح لك أن تخطىء أمامه "لأنهم عدونا اللدود وسيصطادون أخطائنا ويفضحونا فإحترس منهم"!


(5)
هل ترى الشيطان المتربص بك؟ هو يريد تدميرك...
فإحترس...
وأدخل تحت مظلتى وتوحّد معى...
حتى أحميك منه...
انا ملاذك وحمايتك...
انا الأخ الأكبر...


(6)
"Deep in my heart I know Osama bin Laden is on the run, if he's alive at all. Who knows if he's hiding in some cave or not; we haven't heard from him in a long time. And the idea of focusing on one person is -- really indicates to me people don't understand the scope of the mission. Terror is bigger than one person. And he's just -- he's a person who's now been marginalized.
George W. Bush
Press Conference - March 13,2002
"فى أعماق قلبى انا أعرف ان أسامة بن لادن إن كان حياً فهو حر طليق. من يعلم إن كان يختبىء فى كهف أم لا؟ فنحن لم نسمع منه منذ فترة طويلة. وفكرة التركيز على شخص واحد توضح لى حقاً أن الناس لا تفهم هدف تلك المهمة. الإرهاب أكبر من مجرد شخص. أما هو فمجرد شخص تم الآن تهميشه."
چورچ واكر (دبليو) بوش
من مؤتمر صحفى أقيم فى 13 مارس 2002


(7)
"سفن حربية أمريكية ترسو قبالة سواحل مصر"
الصحف والقنوات العاملة لحساب النظام السابق وقت إشتداد الإحتجاجات ضد النظام
الخامس من فبراير 2011


(8)
“Mankind, that word should have new meaning for all of us today. We can't be consumed by our petty differences any more. We will be united in our common interest.
We will not go quietly into the night! We will not vanish without a fight! We're going to live on, we're going to survive. Today we celebrate our independence day!”
President Thomas Whitmore – Independence Day (Film – 1996)
"الجنس البشرى، تلك الكلمة يجب أن يكون لها معنى جديد لنا جميعاً الآن. لا يمكن أن نسمح لخلافاتنا التافهة أن تستهلكنا بعد الآن بل سنتوحّد تحت راية مصلحتنا المشتركة. لن نضيع ونحن صامتون، لن نختفى بدون معركة، بل سنستمر فى الحياة، وسننجو. اليوم، نحتفل بيوم إستقلالنا..."
الرئيس الأمريكى توماس ويتمور
الخطبة الحماسية الشهيرة من فيلم يوم الإستقلال (1996)، بعد توحّد أهل كوكب الأرض ضد إحتلال الكائنات الفضائية!!!

اندرو چورچ
26/07/2013

10 يوليو 2013

لما كان البحر أزرق

لما كان البحر أزرق والنجوم لسه فى مكانها
وطيور بتحلم فوق الشجر كل يوم
لما كان ممكن أصدق إن السعادة كلمة واحدة
ماكنتش أقدر أقرا مابين السطور
كنت عايشة مابين ايديك كنت السراب تحت سماك
وكان هناك البحر أزرق لكن فى يوم كان لازم ابدأ
أعيش حياتى وأخلق لذاتى كيان

إديتها سنين حياتى إديتها كل حاجة
علمتها تجاربى؛ الحب السعادة
الصبح سافرت وسابت لى ورقة: هختار طريقى
الشمس طلعت وهى بعدت
وانا وحيد

كنت عايشة مابين ايديك كنت السراب تحت سماك
وكان هناك البحر أزرق لكن فى يوم كان لازم ابدأ
أعيش حياتى وأخلق لذاتى كيان
تاهت ملامحي بين ملامحك حتى أفكارى وخيالى
حتى أحلامي وإرادتى
كنت نور وكنت ضلك
وإكتشفت من تجاربك اللى يوم علمتها لى
انى لازم أكون انا علشان أحبك انت وألمس بنفسى

إن لون البحر أزرق
وإن النجوم لسه فى مكانها
وطيور بتحلم فوق الشجر كل يوم
لأنى تانى إزاى أصدق إن السعادة كلمة واحدة
لكن هدوّر وأقرا مابين السطور
كنت عايشة مابين ايديك كنت السراب تحت سماك
وكان هناك البحر ازرق
لكن فى يوم كان لازم ابدأ أعيش حياتى وأخلق لذاتى كيان

إديتها سنين حياتى إديتها كل حاجة
علمتها تجاربى؛ الحب السعادة
الصبح سافرت وسابت لى ورقة: هختار طريقى
الشمس طلعت وهى بعدت
وانا وحيد

                                                       
كلمات: هانى زكى
ألحان وتوزيع: هانى شنودة


إستماع:
https://soundcloud.com/a-kamal/jb4lk8bv9wf8

فيديو:
http://www.youtube.com/watch?v=2NKCVa6u8Nc

15 مارس 2013

داخل رؤوسهم (1) : يوسف المنسى درويش



"مشكلتك إنت وأمثالك من الهاموش والهلافيت، إن بتيجى عليهم لحظات بيتصوّروا إنهم حاجة. الحقد والغلّ اللى جواكم هو اللى بينفخكم ضد أسيادكم. لكن لأنكم جهلة، مغرورين، مش قادرين تفهموا إن طبيعة الكون نفسه لا يمكن تديكم الفرصة أبداً إنكم تفسدوا علينا حياتنا. جرابيع! الحقد اللى جواكم لا يمكن يغيّر نظام الكون..."

نظام الكون؟ عن أى نظام كون تتحدث؟ هل تعتقد أيها الغبى أننى جئت إليك فى فيلتك الخاصة طامعاً فى أموالك بعد كل ما حدث لى؟ قد تكون أصبت فى نقطة الغلّ، فكم أحمل منه الآن تجاه أمثالكم الذين يظنون أنفسهم ملكوا الأرض ومن عليها، لكن لا الأرض، ولا هى ملكاً لكم، لذا لن أتركها لك أيها الرخيص ذو البذلة الأنيقة!

نعم، هى، لسبب ما تحوّلت تلك المرأة إلى رمز لكل شىء تبقى لى وتحاولون بإستمرار أن تسلبونى إياه، حياتى التى لم أفهم هدفاً لها، ما تبقى من كرامتى، أحلامى التى لا أحتكم على أى شىء سواها، لن تقوموا بأخذهم منى يا أوغاد، سأحيل حياتكم جحيماً قبل أن تتمكنوا منى، نعم منى انا وليس منها، لقد أصبحت هى وأنا شىء واحداً لن أسمح لكم أن تنالوه.

"انا فاتنى قطارات الدنيا كلها، عارفة حضرتك وانا صغيّر، فاتنى قطر اللعب مع العيال الصغيّرين، ولما كبرت شوية ورحت المدرسة، يادوب إتشعبطت فى السبنسة بتاعة التعليم، عارفة شقاوة الشبان؟ القطر بتاعها عدى علىّ من غير ما يهدّى، وآدينى دلوقتى بشتغل فى السكة الحديد، قطارات كتير تعدى علىّ، ولا يعبرونى..."

انا لا أخلط الأمور ولا أقوم بربط أشياء لا يُعقل أن ترتبط معاً، فقط أنتم لستم انا، ولذا لن تفهمونى أبداً. لأسباب لا يفهمها أحد -وقد لا تفهمها أنت نفسك- قد يتحوّل أى شىء فى حياتك إلى رمز لأشياء أخرى تجد نفسك تتشبث بها حتى الموت، قد تحزن شهوراً إذا ضاعت منك تلك الميدالية التى أعطاها لك والدك قبل وفاته، هى لم تعد مجرد قطعة رخيصة من المعدن بل صارت رمزاً للحب والرعاية وكل شىء، عندما تفقدها فأنت تفقد كل تلك الأشياء بلا شك، وأنت أصلاً قد لا تمتلك غيرها، لذا تتعلق بها كمن يتعلق بقطعة خشبية فى عرض المحيط، لكن الآخرين سينظرون لك فى إستخفاف ولن يفهموك، لن يفهموك أبداً.

سيتهمونى بالجنون أننى جئت فى مواجهتهم وحدى وأنا لا أمتلك شيئاً سوى الغلّ الذى ذكره هذا المغرور. فى الحقيقة لن أهتم كثيراً لو كنت تمتلك سلاحاً آلياً بينما أواجهك انا حتى ولو بسكين مطبخ! صدقنى لن أهتم كثيراً، حتى وإن تسنت لك الفرصة أن تطلق علّى رصاصاتك القاتلة تأكد أننى سأكون راضياً سعيداً عندما أموت وانا أشق بطنك أو أقتلع عينك فى لحظاتى الأخيرة، سأموت انا، وسيظن الجميع أننى أحمق خاسر لأننى لم أحسب فرق القوى جيداً، لكن الحقيقة أننى مت، بينما أنت ستعيش أسوأ أيام حياتك إما ترى الحياة بنصف عين أو ممضياً أوقاتاً لطيفة فى المشفى مع الأطباء بينما يحاولون إعادة طُحالك إلى مكانه الصحيح، وحتى لو فشلت فى ذلك، من يهتم على أى حال؟ على الأقل لن أعيش باقى حياتى مطأطى الرأس متذكراً هزيمتى، بل سأموت، سأختفى، سأتلاشى، وانا راضياً شاعراً أننى فعلت ما كان يجب فعله. أرجوكم، لا تسمعونى مواعظكم الفارغة عن التعقّل والتروّى فى التفكير، أكررها: أنتم لستم أنا، بالتحديد لستم أنا فى هذا الموقف.

لكن...تلك أشياء لن يفهمها غيرى بالطبع.

"يا أخينا!"

الفرار...الفرار...سأضعها على متن ذلك القطار وليكن ما يكون بعدها، انا لست بطلاً وسيماً لتلك الأفلام الأجنبية التى كنت أشاهدها فى السينما، ولا انا من الشهامة والمروءة التى تجعلنى "أضحى بحياتى فى سبيل سيدة لا أعرفها" كما تصفون الموقف بنظرتكم السطحية، كل ما فى الأمر أننى لست أنقذها هى، بل أنقذ نفسى، عندما ترحل وتصبح فى أمان سأكون حققت ما أريده، سيكون كل ما تبقى لى فى العالم بعيداً، فى أمان، بعدها فليحترق باقى العالم.

فقط...إرحلى!

"هما طلعولك؟ طلعولك ها؟؟ رد علىّ يا منسى!"

أندرو جورج
15-03-2013

26 أكتوبر 2012

هل العالم يسوء حقاً؟



- عن الأطفال اللذين لم يعودوا كذلك -
 - جاستن بيبر؟!! هانا مونتانا؟؟!!!! جاستن بيبر الـ...؟ إحم...
- آه، وساعات سبونج بوب.
- سيبك من سبونج بوب دلوقتى، جاستن بيبر وهانا مونتانا؟!!!!!!

كان هذا جزءاً من محادثة بسيطة دارت بينى وبين أحد الأطفال –كما كان يطلق عليهم قديماً- من سن 10 سنوات، عندما سألته عن ما يحب مشاهدته على التلفاز والأغانى التى يفضلها، أصابتنى إجابته بصدمة أعادتنى إلى أيام طفولتى التى بدت لى فى تلك اللحظة شديدة السذاجة والحمق، مجموعة من الأطفال المعاتية تنتظر يوم الجمعة صباحاً بفارغ الصبر، لتشاهد برامج معتوهة يقدمها مجموعة من الكبار الأكثر عتهاً، فقط لكى يصيبونا بالتخلف العقلى، كم كانت طفولتنا رائعة! ولكن بالتأكيد بدا لى ذلك أنه أفضل من مشاهدة سخافات هانا مونتانا وهذا الـ...إحم.

لا يتعلق الأمر بكون هذا الطفل مدلل ولديه تلفاز فى منزله، فمن المؤكد أن أقرانه فى المناطق الشعبية يستمتعون الآن بالشىء الملعون المدعو بالمهرجانات بدلاً من الأشياء الأخرى الرائعة التى كان يسمعها من كانوا فى سنهم فى الماضى أياً كانت، الأمر سيان ولا يوجد فارق كبير. أذكر أننى عندما عدت إلى منزلى فى هذا اليوم أخذت أفكر فى الموقف وأحلله، ثم شعرت بحنين مفاجىء لأغنية المقدمة لمسلسل جرندايزر بصوت الفنان اللبنانى "سامى كلارك" صاحب الصوت الأسطورى، صحيح أننى وقت طفولتى لم أكن أفهم 90% من كلماتها ولم أكن أعرف إسم المغنى لكنها إنطبعت فى ذاكرتى بشكل ما، فقط لأبحث عنها بعد سنوات لاحقة على اليوتيوب وأسمعها لأدرك كم كانت أغنية راقية رائعة (وبالطبع لكى أقول لنفسى كم هى مقززة أغانى المسلسلات الكارتونية فى أيامنا هذه!).

ماذا أصاب هؤلاء فعلاً؟ لماذا يبدو لى أن هناك عملية تسارع بشعة فى النمو حتى صار الطفل يتصرف كمن هو فى أوج مرحلة المراهقة؟ لماذا صار كل شىء الآن معقداً متشابكاً بينما كان فى الماضى بسيطاً وسهلاً ومباشراً؟ لماذا لم تعد تلك الأشياء الطفولية لطيفة بريئة ساذجة كما كانت وصار كل شىء به لمحة نضج وخبث مقززة مخيفة لا تستطيع تبيّن معالمها جيداً؟ ما الذى تغيّر؟ أو بالأحرى من الذى تغيّر؟

حكى لى أحد أصدقائى منذ فترة -وهو خادم بالكنيسة- عن موقف عجيب جداً حدث معه مع أحد أطفال المرحلة الإبتدائية، حيث إتصلت بصديقى هذا أخته لسؤاله عن شىء بينما كان بصحبة أحد الأولاد الصغار، وبعد أن إنتهى من المكالمة سأل الطفل صديقى "كنت بتكلم مين يا أستاذ؟" فرد عليه صديقى "دى أختى يا حبيبى"، فوجىء صديقى برد الطفل عليه ضاحكاً ساخراً متغامزاً "أختك ولا زى أختك يا أستااااذ ؟" !!!

عندما حكى لى صديقى القصة أول مرة ضحكت بشدة ثم أصابنى صمت وحالة "تناحة" مفاجئة، وقلت لصديقى "هو إحنا كان فينا حاجة غلط ولا هما اللى فيهم حاجة غلط؟ انا فاكر كويس إنى مخدتش بالى من وجود كائن إسمه بنات على كوكب الأرض غير فى أولى ثانوى تقريباً!" ضحك صديقى وقال لى "ما كلنا كنا كده، الظاهر إحنا جيل تعبان وعلى قد حاله!" لم أعلق بعدها لأنى لم أجد ما أقوله، حقاً لم أعد أفهم ما الذى تغيّر: العالم أم انا.


- عصر القرود -

 
فى أحد الأيام أثناء عملى السابق لمحت كتاباً مع إحدى الزميلات، وبحكم الفضول الذى ينتابنى كلما رأيت كتاباً سألتها ماذا تقرأ، وطلبت منها أن أطلع عليه فأعطتنى إياه، لأجد كتاب "عصر القرود" للدكتور مصطفى محمود.

وقتها لم أكن قد قرأته من قبل، فأخذته منها بفضول وقمت بالمرور عبر صفحاته، لأعطيه لها مرة أخرى بعد حوالى ربع ساعة قائلاً لها "ده كلام واحد جاله صدمة نفسية من الإنفتاح أفقدته إتزانه، واضح إن الموضوع كان صعب قوى على أعصابه ومقدرش يستحمل، حتى لو كان د. مصطفى محمود شخصياً!"

فى الكتاب، ومنذ السطر الأول، تدرك مدى رعب كاتبه من كل الظواهر المحيطة به، إبتداء من متلازمة فوبيا ملابس المرأة الشهيرة، وترحّمه على أيام كانت المرأة يُنظَر إليها فقط على أنها الأم التى تجسد الرحمة والحنان، مروراً بتعجبه من إزدحام المدن بالناس وإختناق الشوارع وضيق العمارات بسكانها (هذا الكتاب نُشِرت منه الطبعة الأولى عام 1972 إن كنت تتسائل!) ويترحم الكاتب على أيام النسمات الطليقة التى عرفها فى العصر الزراعى، ثم ضيقه من الموسيقى الصاخبة المتمثلة فى الجيتار الكهربائى وإختفاء "صوت الناى الرقيق الخجول" و "صوت العود الذى يداعب ويهمس ويوشوش".

يستمر الكتاب فى مسلسل الترحمات، فيترحم على "الوفاء فى الحب" والذى أصبح "أقصوصة خرافية فى مقابل الحب العصرى فى كافيتريا الجامعة"، ثم يهاجم برنامج "العالم يغنى" الذى يعرض أغانى "كلماتها هى فى إجمالها حمى وهذيان وهلاوس، وحركاتها تترك لديك الإحساس أنك أمام طقوس وثنية بدائية الصنم المعبود فيها هو جسد المرأة"، وأن تلك الثقافة الغريبة زحفت إلى إعلاناتنا وأغانينا لأننا نقلد الغرب تقليداً أعمى، ويتأفف الكاتب من "رقص الصبايا أنصاف العاريات وغناء داليدا المثير والحركات الهستيرية لأنثى أفعوانية مثل كلوديا كاردينالى"، بالطبع إنتقل الكاتب بعدها إلى الحديث عن نهاية العالم، ودليله على ذلك أن أهل الأرض أصبحوا يظنون أنهم تمكنوا من كل شىء بعد أن مشوا على القمر وأصبحوا يزرعون الأجنة وظنوا أنفسهم آلهة، وبعد إنتشار الإنحلال والنساء العاريات (وكأن كل هذه أشياء هبطت فجأة على كوكب الأرض)، وبعد "الفجور الذى أشاعته فى العالم كله أجهزة السينما، والتلفزيون والإذاعة". هذا كان رأى د. مصطفى محمود فى ما حوله فى بداية السبعينات، فى العصر الذى ننظر نحن إليه أنه كان رغداً ورائعاً مقارنة بما نعيشه الآن، فهل بدأت تلاحظ نمطاً ما؟


- رحم الله زماننا -

 
هل العالم يسوء فعلاً؟ أم أن خوفنا من الآتى وكل ما يختلف عن ما خبرناه هو ما يصيبنا بهذا الإحساس الرافض لكل ذلك؟ بالفعل هناك ظواهر غريبة لم أستطع فهمها فى ضوء ذلك التفسير: فأكثر فيديو كليب محترم الآن لو كان عُرض منذ 10 أعوام لأغلقوا القناة للأبد! لكن...ألم يكن الحال هكذا معنا نحن وقت أن كنا أطفالاً ومراهقين؟ أذكر أن والدى –رحمه الله- كان كلما رأى وجة عمرو دياب فى التلفاز ردد: "ايه القرف ده، جايب معاه شوية رقاصين وعمال يتنطط ويقول ويلومونى ما يلومونى؟ فين عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وكلامهم الراقى وأفلامهم الجميلة". لكن حتى والدتى حكت لى فى إحدى الأيام عن الحروب والمؤآمرات التى كانت تُحاك ضد الفنان عبد الحليم حافظ من المطربين الكبار وقتها، ووصف جيل الكبار له وقتها أنه "مُطرب الشباب التافة"! يبدو أن حتى عبد الحليم حافظ لم ينجُ من تلك الدائرة وكان فى أحد الأيام يُنظر إليه أنه المطرب السنتيح التافة الذى يسمعه الشباب الرقيع! تماماً كما كانوا يتهمون الفتيات اللاتى كنّ يقرأن روايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعى فى الستينيات بالإنحلال وإنعدام الخلق، وعلى هامش هذا الموضوع لا أنسى بالطبع أن أذكر بالخير نيابة عن أبناء جيلى كل من كانوا يستخفّون بنا عندما كنا نقرأ "رجل المستحيل" و "ما وراء الطبيعة" وكانوا يصرون على تسميتها "ألغازاً"، وأخص بالذكر أستاذ اللغة العربية فى الصف الثانى الثانوى الذى وصف ما وراء الطبيعة عندما رآها فى يدى أنها "قصص شيطانية"!

وعلى سيرة تلك الـ"ألغاز" التى تربينا على يد كتّابها، يحدثنا د. أحمد خالد توفيق فى إحدى مقالاته القديمة التى نُشرت بموقع بص وطل تحت عنوان "انا لم أتغير..الحياة تغيرت" عن ذكريات والده التى كان يحكيها له بإستمرار قائلاً:

" هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟.. دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال. كانت الدجاجة بحجم الخروف والخروف بحجم ديناصور ترايسيراتوبس، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى.. ".

ثم يحكى لنا الكاتب بعدها إكتشافه أن عصر والده لم يكن بهذا النقاء بعدما قرأ عن ما كان يوجد وقتها من أبشع الحوادث مثل جرائم ريا وسكينة، وحادثة البواب الذى أغتصب الطفلة ذات الثلاثة أعوام إلخ..، وبعدها ينتقل بنا إلى الحاضر حيث أكتشف أنه أصبح يفكر بنفس طريقة والده ويردد نفس الكلام:

"اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير. قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى... أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينيات على غرار (الأب الروحي) و(قصة حب) فشاهدها وقال لي بصراحة إنها (زي الزفت). أغاني البيتلز والآبا والبي جيز (خنيقة) جداً في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينيات مثل (حكايتي مع الزمان) و(اسمعوني).. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني (شاجي) و(إنريكي إجلسياس) و(فيرجي) ويعرض عليه أفلام (الرجال إكس) و(الفارس الأسود).. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها (زبالة)، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ (شاجي) خالد للأبد.. "


- الحكيم -

بعضهم عندما يُفتح أمامه باب المناقشة بخصوص تلك الظاهرة تجده ينظر لك فى ذكاء خارق مردداً "بالطبع، كل زمان وله أدان". لكن الحقيقة أن الموضوع ليس بتلك البساطة، أكاد أرى نمطاً متكرراً عبر كل تلك العصور ولكنه نمط غريب يصعب تحليله لأن من الإستحالة أن تستمر طفولة شخص واحد لأكثر من جيل، فطفولة الشخص تحدث فى جيل واحد فقط، بعدها يكبر وينضج ويبدأ فى رفض كل ما يلى تلك الحقبة. ولكن يبدو الأمر وكأن هناك نسخاً متكررة منا فى كل عصر: الإنسان المنفتح على ما هو آت والإنسان الخائف من العصر، المُحدث والملتزم بالماضى، المنادى بحرية المرأة ومن يريد للمرأة أن تعود أماً وزوجة فقط وتلزم المنزل، أنظر فى كل عصر سترى المطربة التى يعشقها البعض ويراها البعض تحث على الفسق والفجور، سترى المراهق الذى يقدم على قراءة شىء ما أو الإستماع لشىء ما بينما يراه أهله تفاهة أو فساداً، كل شىء حولنا ما هو إلا مجرد أنماط متكررة حدثت فى كل العصور.

من يعلم...ربما كان هناك نسخ أخرى منى كذلك فى كل عصر تنظر إلى كل ما حولها وتتعجب بنفس الكيفية! لكنى أستبعد ذلك لأننا قبل هذا الزمن كان يصعب عليك أن تضع كافة العصور بمنتهى السهولة إلى جانب بعضها وتقارن، أما فى أيامنا هذه فأنت –على سبيل المثال- تستطيع بنقرة أن تسمع عبد المطلب وكارم محمود، وبنقرة أن تسمع عبد الحليم حافظ، وبنقرة أن تسمع محمد منير، وبنقرة أخرى أن تسمع –أستغفر الله العظبم- أوكا وأورتيجا، فهذه قد تكون بالفعل هى الميزة الوحيدة التى لم تحدث من قبل فى أى عصر من العصور، أن تستطيع أن تضع كل شىء جنباً إلى جنب وتنظر إليه من الأعلى فترى الصورة كاملة وتلاحظ الأنماط المتكررة.

لكن لحظة...ألم يكن هذا هو الحال بالفعل وقت ظهور التلفاز؟؟ أكاد أسمع أحدهم يقول فى إنبهار وهو ينظر إلى شاشة أول تلفاز يراه فى حياته "يا إلهى لقد أصبح العالم صغيراً جداً بعد إختراع هذا الشىء، أصبحت تستطيع أن ترى ما يحدث عبر كل العالم جنباً إلى جنباً فى لحظة واحدة من خلاله!"، وبالتأكيد قيل نفس الشىء وقت ظهور الراديو، ووقت إختراع التليفون، وبرقيات التلغراف، وربما وقت إختراع الكتابة والتدوين فى عصور ما قبل التاريخ!

ستجد هناك دائماً الكثير من المتأملين العباقرة اللذين يقولون بعد قراءة الكتب من نوعية عصر القرود: "هذا الرجل كان عبقرياً وتنبأ بالعصر الذى نعيشه الآن"، لكن الحقيقة ليست كذلك، فالكتاب لا يزيد عن مجرد سرد لخواطر شخص مفزوع من كل ما يحيط به، الحقيقة أنه لا يوجد عصر واحد للقرود، بل أن كل عصر قادم سيبدو لأبناء العصر السابق له عصراً للقرود، فكل ما ذكرناه أكاد أقسم أنه ماهو إلا جزء من دائرة كبيرة لا تأبى إلا أن تعيد نفسها فى كل عصر بشكل يجعلك تتسائل: هل تتقدم البشرية فعلاً؟ أم أن كل مسألة التقدم هذه مجرد وهم كبير نعيشه ونحن فى الحقيقة ندور حول أنفسنا فى حلقات متكررة سخيفة؟ لا أعلم لكن على أى حال أتمنى أن لا يقرأ أحداً فى المستقبل هذا الذى كتبت فيهزأ بى متهماً إياى بالسذاجة!

أندرو جورج
26-10-2012


وصلات متعلقة بالموضوع:
د. مصطفى محمود – عصر القرود

د. أحمد خالد توفيق – انا لم أتغير .. الحياة تغيرت

سامى كلارك يؤدى أغنية جرندايزر العربية – كوميك كون دبى
http://www.youtube.com/watch?v=6ageNZ3Sg-M


هذا المقال نُشر فى موقع جريدة الوطن على 4 حلقات:
http://www.elwatannews.com/news/details/430524
http://www.elwatannews.com/news/details/431198
http://www.elwatannews.com/news/details/434658
http://www.elwatannews.com/news/details/437043

18 أغسطس 2012

تجارب مثيرة للجدل (1) - صناعة التضليل



مقدمة مملة
كيف يتأثر الوعى العام بسهولة بهذا الشكل الغريب ومن الذى يحركه خفية فيجعله ينقلب على فلان ويتقبل فلان بعد أن كان الحال معكوساً؟ كيف يقبل المجندون ببعض الجهات الأمنية تعذيب المواطنين بدون أدنى وخز للضمير رغم أنهم إخوتنا وأولادنا، والمسألة -كما لاحظ الجميع فى الفترة الماضية- كانت أكبر من مجرد طاعة للأوامر؟ إذا إنقلبت الأدوار وأصبح الضحية مكان الجلاد فهل سيكون رقيقاً طيباً لأنه ذاق مرار التعذيب، أم أنه سيتحوّل إلى جلاد أكثر بشاعة؟

أسئلة كثيرة متنوعة كان يطرحها معظمنا أثناء متابعته للأحداث المتسارعة خلال الفترة الماضية، ويعلم الله إلام ستنتهى تلك الفترة العصيبة التى نعيشها. أسئلة لم نجد إجابات شافية لها بل كنا نطرحها دون البحث عن إجابة لها أثناء قراءتنا لخبر أو مشاهدة فيديو هنا أو هناك، إلا أننى أثناء بعض قراءاتى فى أحد الكتب وبالصدفة البحتة وجدت ذكراً لإحدى التجارب الإجتماعية الهامة، وعندما بحثت عنها على شبكة الإنترنت عثرت على مجموعة من التجارب النفسية الخطيرة التى أجريت معظمها فى الخمسين عاماً الأخيرة فسّرت لى الكثير من الظواهر التى لم أكن أفهمها، فقررت تعميق البحث أكثر ومشاركته معكم من خلال سلسلة من المقالات.

تجارب مثيرة للجدل (1) – صناعة التضليل
رغماً عنى صرخت فيه قائلاً: "لماذا لم تتكلم؟؟ لماذا لم تدافع عن شرف الفتاة حينما هاجمها زملاؤك فى المكتب وأتهموها بأقذع الإتهامات؟ أى عباءة على اللحم تلك التى يتحدثون عنها؟ أنت تعرف جيداً أن سبب هجوم معظمهم عليها فى هذا الوقت بالذات هو أنهم صدرت إليهم الأوامر من قياداتهم أن يقوموا بتشوية صورتها لتهدئة الناس لأن مصلحتهم فى تلك الفترة تقتضى ذلك، فلماذا لم تردّ غيبتها فى تلك اللحظة؟ هل خفت منهم أم أنك لا تؤمن بالمبادىء التى تدعى الإيمان بها بما فيه الكفاية؟"
~~  موقف من ذاكرتى أيام الثورة


- مقدمة أشد مللاً -
إذا كان لديك رأى بخصوص شخص/جماعة/قضية ما، ثم وجدت نفسك فجأة بين مجموعة من الناس ترى رأياً مغاير، فهل تتأثر بداخلك ولو بشكل غير مباشر؟ هل إعتدت الدفاع عن رأيك فى مواجهة الآخرين مهما كان رأيك يبدو شاذاً مقارنة بمن حولك، أم أنك إعتدت الإستسلام وتفضيل الصمت (فربما كانوا هم على حق)؟ إلى أى مدى تتمسك بقناعاتك فى مواجهة الآراء المخالفة لرأيك، والتى تبدو كأشياء مسلم بها بين الجميع ماعدا أنت؟

هذا هو ما حاول "سولومون آش" (1907-1996) أحد رواد علم النفس الإجتماعى بحثه فى تجربة مثيرة للجدل تم نشر نتائجها عام 1951، تُعرف بإسم "تجارب آش للإمتثال" (Asch Conformity Experiments).





يعرف الإمتثال أو الإتباعية Conformity فى علم النفس أنه "محاولة مطابقة السلوكيات والمعتقدات الشخصية للفرد إلى تلك التى يراها أنها العادية/الأكثر إنتشاراً فى مجموعته أو مجتمعه"، وهذا يمكن أن يحدث على مستوى المجموعات الصغيرة، كالأصدقاء أو الزملاء على سبيل المثال، أو على مستوى المجتمع بالكامل. هذا التأثير ينتج عادة بسبب الضغط الإجتماعى المحيط بالفرد، والذى يؤثر عليه ويجعله لا يشعر بالراحة فى كونه مختلفاً عمن حوله، وذلك خوفاً من أن يصبح "منبوذاً إجتماعياً" أو  خشية أن يتعرض للنقد أو الهجوم، وبالتالى فهو يبدأ فى التأثر بالتيار العام المحيط به طلباً للشعور الزائف بالدفء والأمان وسط الجماعة المحيطة.

الآن وقد تعرفنا على ماهية "الإمتثال"، يمكننا البدء فى الحديث عن التجربة...


- التجربة -
التجربة ببساطة هى أن تتم دعوة الشخص محل التجربة إلى ما يخبرونه عنه أنه مجرد "إختبار نظر بسيط". يجلس هذا الشخص وسط حوالى 5 - 7 أشخاص آخرين، هم فى الحقيقة حلفاء للقائم بالتجربة، ولكن بالطبع صديقنا لا يعرف هذا ويظن أنهم جميعاً مجرد مشاركين مثله تماماً. ثم يتم عرض صورة مثل تلك الموجودة بالأسفل على جميع الموجودين على أنها إختبار النظر، وعلى المشاركين أن يقوموا بإلإجابة بالترتيب وإختيار أى خط من الخطوط الثلاثة مماثل فى الطول للخط الوحيد فى الجانب.


يقوم القائم بالتجربة بعرض الكارت الأول، ويبدأ المشاركون (الحلفاء والشخص الذى تقام عليه التجربة) بإختيار الخط المطابق والإجابة حسب ترتيب جلوسهم إلى أن يجيبوا جميعاً وتحسب تلك محاولة، ثم يتم عرض الكارت التالى عليهم ويتم سماع إجابات المشاركين مرة أخرى وهكذا. والخطة هى أن يقوم الحلفاء بترديد الإجابة الصحيحة فى أول محاولتين فقط، ثم يقومون جميعاً فى المحاولات التالية بإختيار إجابة خاطئة معينة وتكرارها عبر المحاولة الواحدة، إلى أن يصل الدور فى الإجابة إلى الضحية لنرى رد فعله، فالهدف الحقيقى من التجربة ما كان إلا دراسة مدى تأثير ترديد إجابة خاطئة محددة على حكم هذا الشخص وكيف سيكون رد فعله، هل سيجيب الإجابة الصحيحة بغض النظر عما قاله الآخرون أم سيتراجع أمام هذا الإجماع الغريب على نفس الإجابة؟ تم تكرار التجربة بأشخاص وعناصر أخرى وتنويعات متعددة لدراسة التأثيرات المختلفة.


- النتائج -
النتائج المذهلة التى نشرها العالم الأمريكى عام 1951 كانت كالتالى:
  • 33% من المشاركين وافقوا الأغلبية على الإجابة الخاطئة فى أكثر من نصف عدد المحاولات.
  • 75% من المشاركين وافقوا الأغلبية على الإجابة الخاطئة مرة على الأقل.
  • 25% فقط من المشاركين كانوا مستقلين تماماً وتمسكوا برأيهم عبر التجربة.

تم تصنيف النسبة المتمسكة بآرائها إلى ثلاثة مجموعات:
  1. مجموعة واثقة تماماً فى آرائهم المخالفة للمجموعة.
  2. مجموعة كانوا فى حالة توتر واضحة ولكنهم تمسكوا بوجهة نظرهم.
أما الباقون اللذين وافقوا باقى المجموعة على الإجابة الخاطئة تم تصنيفهم إلى ثلاثة مجموعات أخرى:
  1. مقتنعون أن الأغلبية تكون على صواب معظم الوقت.
  2. غير واثقين من أنفسهم وبالتالى تم التأثير على حكمهم على الأمور.
  3. يعلمون أنهم على صواب ولكن قاموا بترديد الإجابة الخاطئة لتلافى أن يكونوا مخالفين لرأى المجموعة.

كذلك تم التوصل إلى نتيجة أخرى هامة، وهى أن وجود ثلاثة حلفاء فقط يرددون الإجابة الخاطئة يقوم بنفس التأثير على النتائج الذى يقوم به أى عدد أكبر من ذلك، أى أن ترديد الكذبة ثلاثة مرات فقط يكفى تماماً ولا داعى لأكثر من ذلك. كما ذكرنا من قبل تم عمل تنويعات مختلفة على التجربة لدراسة التأثيرات المتعددة، وللتعرف على تفاصيل أكثر يمكن قراءة الوصلات الموجودة فى نهاية الموضوع. جدير بالذكر أيضاً أنه تم توجية الكثير من النقد لتلك التجربة المخيفة، مثلاً أن المشاركين بالتجربة كان معظمهم من الشباب الذى يسهل التأثير عليه وليس من كبار السن الأكثر نضجاً، وقد كان من الطبيعى توجية مثل تلك الإنتقادات الواسعة للتجربة بسبب نتائجها الصادمة.


- ربط النتائج بقراءة للواقع -
المتمعن فى قراءة نتائج تلك التجربة يستطيع بسهولة الربط بينها وبين الكثير من الأحداث اليومية التى يراها فى حياته. كما رأينا تكمن خطورة تلك التجربة فى نتائجها، فمن كان يصدق أن تلك النسبة المخيفة قامت بالتنازل عن رأيها تماماً فى مقابل رأى الأغلبية؟ وهل يعنى ذلك وجود إمكانية إستخدام التأثير المنتظم المتكرر للتحكم بآراء شخص أو مجموعة ما على نطاق أوسع؟ هل تذكر أيام الثورة صراخ المتصلين بكل القنوات الفضائية فى نفس الوقت من البلطجية اللذين سيلتهمونهم أحياء وكيف كان تأثير ذلك على العامة؟ حتى لو نظرنا إلى الجانب المغاير، فاللذين يهاجمون الثورة أنفسهم يرون أنها كانت بتخطيط جهات ما قامت بنشر الفكرة والتأثير على الناس وتحريكهم فى نفس الوقت. كيف أصبح الجميع يرى البرادعى فى خائناً فجأة فى وقت ما، وأنه "ساعد أمريكا على دخول العراق" إلخ، رغم أن حقيقة الأمر هى عكس ذلك بالضبط؟ كم كذبة تعتقد أنه تم نشرها بيننا من قبل وإعتبارها حقيقة واقعة فقط لأنها تم ترديدها أمامنا عشرات المرات لغرض ما فى نفس أحدهم أو بعضهم؟

أنظر إلى آراء الناس فى الجماعات السياسية، هناك من الجماعات من كان المجتمع المصرى يلفظهم قديماً، لكنهم أصبحوا الآن "قوم طيبون يريدون مصلحة الجميع"، وهناك جماعات آخرى كانوا أبطالاً ومناضلين، أصبحت الغالبية العظمى تنظر لهم أنهم "خونة" بدون أى سبب منطقى، كيف إنتشرت تلك الآراء بين الناس هكذا؟ ما هو العامل المساعد على نشرها سوى كثرة الزن المنظم، والذى يؤدى إلى بدء دحرجة كرة الثلج، ثم تتضخم الكرة آلياً كلما إنتشر الكلام بعد ذلك بسبب كثرة تكراره بين الناس؟ هل تجرؤ على مخالفة تلك الآراء المنتشرة بين أقرانك، أم أنك تصمت، بل وتحاول أحياناً أن تتوافق مع ما تسمعه بسبب الضغوط المحيطة، فتصبح أنت شخصياً إضافة جديدة لكرة الثلج المستمرة فى الدحرجة والتضخم؟


- مضاعفات -
لقد أدرك الجميع تأثير تلك الألعاب النفسية مبكراً، حتى هؤلاء العاملين بمجال التسويق، والأخطر حدث حينما قامت مئات من الجماعات ذات الإتجاهات المختلفة بإستخدامها ضدنا خلال الأعوام الماضية، سواء من خلال محطات فضائية تنشر الثقافة الغربية بشكل لا يتوقف كما يحدثنا د. أحمد خالد توفيق فى إحدى مقالاته عن أن أى مراهق مصرى يشاهد التلفاز الآن يدرك تماماً مدى بشاعة أن تكون الفتاة بلا شاب يصطحبها ليلة البروم(!)، أو على الجانب الآخر الجماعات الأخرى -وهى الأكثر تأثيراً- والتى تنتشر محلياً بين الناس لتقوم بالـ"زن" عليهم بهدف نشر بعض الأفكار لغرض ما، فهناك المئات من الظواهر التى لو نظرت حولك جيداً وحاولت قراءة ما بين السطور ستفهمها فى ضوء تلك التجربة، كإنتشار ملابس معينة بين الناس بكثافة خلال الأعوام الماضية، أو كظهور أفكار متطرفة غريبة على مجتمعنا وإنتشارها كالنار فى الهشيم رغم تأكيد الجميع أن هذه الأفكار ليست من داخلنا، إلخ، لكن خطورة هذا الأمر للأسف لا تتوقف عند مجرد نشر الشائعات.

يحدثنا د. فرج فودة فى كتابه "الإرهاب" تحت عنوان "الشائعات والطلقات" قائلاً:
لو قدر للمتطرفين أن ينشئوا مدرسة للإرهاب، لكان الدرس الأول فيها "لا تتسرع بإطلاق الرصاص، وابدأ أولاً بإطلاق شائعة، وتعمد أن تكون فجة ومثيرة، وأسهل الشائعات أن تتهم الضحية بتمزيق المصحف أو بدهسه بالأقدام، أو بأنه شتم سيدنا الحسين، أو أنه يتباهى بالكفر والإلحاد، أو بأنه شتم الدين الإسلامي، وسوف تنتشر الشائعة كالنار فى الهشيم، وبعدها لك أن تقدم آمنا مطمئاً على إطلاق النار، وسوف تجد طريقك ممهداً، وإرهابك مؤيداً، فأنت أمام الرأي العام، مدافع عن الإسلام، ومنتقم ممن داس المصحف بالأقدام، أو شتم سيدنا الحسين."

كيف تقوم بتجهيز الوعى العام لتقبّل أى حدث كان فى الظروف العادية سيرفضه؟ يحدثنا الكاتب بأمثلة أحداث واقعية عن تشكيل الوعى العام عمداً لكى يتقبل الأحداث المدمرة قبل القيام بها، وذلك عن طريق إطلاق بعض الشائعات المدروسة خلال الأبواق الخفية للجماعات قبل الحدث الطائفى مباشرة، وأحياناً أخرى قبلها بفترة طويلة لو كانت العملية المخطط لها ذات وزن ثقيل، مثل شائعة مدروسة تم نشرها عمداً عن قيام الأطباء الأقباط بتعقيم النساء المسلمات، وذلك قبيل أحداث الزاوية الحمرا الطائفية الشهيرة فى بداية الثمانينات، وأخرى عن أن الولايات المتحدة تقوم بتصدير "فراخ سامة" لمصر تأثير سمها لا يظهر سوى بعد 10 سنوات، وذلك للتمهيد لعملية هجوم إرهابى مسلح على سيارة تحمل دبلوماسيين أمريكان تم القيام بها بعد نشر الشائعة بفترة قصيرة، وفى كل مرة فإن رد الفعل الشعبى فى إستنكار الحادث الأليم يكون أقل بكثير من المتوقع وذلك لأن الوعى العام تم تهيئته مسبقاً ((عن عمد)) بنشر الشائعة، وأصبح بالتالى الحادث الإرهابى الذى يليه هو نوع من الإنتقام الإلهى الذى يثلج صدر العامة، وليس كارثة يجب الوقوف ضدها ومهاجمتها.

فى جزء آخر من الكتاب يحدثنا الكاتب عن كيف أن الشعب أيام حكم جمال عبد الناصر كان يتغاضى تماماً عن تعذيب معتقلى الجماعات الدينية فى السجون، وذلك لأن وعيه كان مهيئاً تماماً لفكرة إن هؤلاء جميعاً ما هم إلا مجموعة من القتلة يريدون تدمير المجتمع وبالتالى لم يكن يدافع عنهم أحد نهائياً. كل هذا لأن الماكينة الإعلامية وقتها من صحف وراديو كانت فى يد طرف واحد هو الحكومة، وبالتالى كان ما يترسخ فى ذهن الناس هو ببساطة ما أرادت الحكومة وقتها ترسيخه، هؤلاء جميعاً شياطين نحاول حمايتكم منهم، بالطبع لم تميّز المعتقلات بين الإرهابى الحقيقى أمثال شكرى مصطفى، والملتزم الغلبان والذى أوقعه حظه العاثر مع مخبر أراد إسعاد رئيسه فى العمل بضحية جديدة، لكن من ينشغل بتلك التفاصيل على أى حال؟

والآن ماذا يفعل الطرف الآخر وهو جماعة منظمة وقد أدرك قواعد اللعبة، بينما ليس لديه سلاحاً إعلامياً يمكّنه من التلاعب بوعى الناس؟ بسيطة، سيقوم بإحتلال المجتمع من أسفله عن طريق الإنتشار على الأرض بين الناس وترديد الكلام الذى يريد ترسيخه فى أذهان الناس مراراً وتكراراً، وبالتالى أصبح يمتلك ماكينة إعلامية أقوى مئات المرات من ماكينة الحكومة البالية التى مازالت تخاطب الناس من برجها العاجى، فالطرف الآخر هذا هنا يخاطب ذهنك مباشرة وهو جالس على المكتب المجاور لك فى العمل، أو على الكرسى المقابل لك فى القهوة وهو يحتسى معك كوباً من الشاى، وليس من خلال شاشة فى قنوات لم يعد أحداً يشاهدها أو سطور فى جريدة لم يعد أحداً يشتريها. هكذا إنقلبت الآية تماماً وأصبح الجميع خلال بضع سنوات تالية يقف فجأة ضد الحكومة الفاجرة على طول الخط سواء كانوا على صواب أو على خطأ، تماماً كما كانوا يقفوا قديماً ضد المعتقلين ظلمة كانوا أو مظلومين!

تخيل لو أن هناك الآلاف من البشر منتشرون بيننا، ينتمون لجماعة واحدة، ومتصلون بعقل واحد يحركهم، هل تدرك مدى خطورة أن تصدر أوامر لهؤلاء جميعاً بنشر نفس الكلام والأفكار بين الناس فى نفس الوقت؟ ببساطة شديدة سيصبح كذبهم بين ليلة وضحاها هو الحقيقة المسلم بها والتى لا تحتمل النقاش! على سبيل المثال إذا كان لدينا مؤسسة متوسطة الحجم تتكون من 1000 شخص، وإتفق 20 منهم فقط على نشر نفس الكلام فى نفس الوقت بنفس الكثافة، ثق تماماً أن الكلام الذى سيقومون بنشره -أياً كانت مدى صحته- سيصبح بعد قليل من الوقت حقيقة لا جدال فيها ولا نقاش، ومن سيكذّبها سينظر له الجميع كمن ينظر إلى شخص مجنون، وسيطالبوه فى سخرية أن يثبت لهم صحة إدعاؤه الشاذ!


- خاتمة -
يحكى أحد طلبة الجامعات بالخارج تجربته مع "تجربة آش"، فيقول أنه أثناء مشاركته فى تلك التجربة لم يقتنع بإجابات الآخرين الخاطئة وكان مصمماً بشدة على رأيه، لدرجة أنه قام من مقعده وأحضر قصاصة ورقية صغيرة وقام بإستخدامها لقياس الخطوط ومقارنة أطوالها وإثبات للآخرين أنه على صواب وهم على خطأ، ففوجىء لاحقاً بإستدعاء الجامعة له لمقابلة الأخصائى النفسى لدراسة "حالته"، فبالنسبة لهم كان تصميمه الشديد على رأيه ورفضه أن يكون جزءاً من القطيع يمثل سلوكاً غريباً يستحق الدراسة، وكأن عدم موافقته على كلام الآخرين يشكل خطورة ما للمجتمع!

والآن إذا كان لك رأياً مخالفاً للمحيطين بك، هل ستجاهر به فى ثقة؟ أم ستصمت وتدفن رأسك كالنعام وتسير فى ركبهم كالغنم؟

القرار لك وحدك...


وصلات متعلقة بالموضوع:
The Asch Experiment

Asch Conformity Experiment (1/2)

Asch Conformity Experiment (2/2)

البرنامج؟ مع باسم يوسف - الزن على الودان (24 ديسمبر 2011)

أحمد خالد توفيق - عن مكدونالد والبطة دونالد

أحمد خالد توفيق - عن سوبرمان الجديد (1)

أحمد خالد توفيق - عن سوبرمان الجديد (2)

Social Rejection


المراجع: