18 أغسطس 2012

تجارب مثيرة للجدل (1) - صناعة التضليل



مقدمة مملة
كيف يتأثر الوعى العام بسهولة بهذا الشكل الغريب ومن الذى يحركه خفية فيجعله ينقلب على فلان ويتقبل فلان بعد أن كان الحال معكوساً؟ كيف يقبل المجندون ببعض الجهات الأمنية تعذيب المواطنين بدون أدنى وخز للضمير رغم أنهم إخوتنا وأولادنا، والمسألة -كما لاحظ الجميع فى الفترة الماضية- كانت أكبر من مجرد طاعة للأوامر؟ إذا إنقلبت الأدوار وأصبح الضحية مكان الجلاد فهل سيكون رقيقاً طيباً لأنه ذاق مرار التعذيب، أم أنه سيتحوّل إلى جلاد أكثر بشاعة؟

أسئلة كثيرة متنوعة كان يطرحها معظمنا أثناء متابعته للأحداث المتسارعة خلال الفترة الماضية، ويعلم الله إلام ستنتهى تلك الفترة العصيبة التى نعيشها. أسئلة لم نجد إجابات شافية لها بل كنا نطرحها دون البحث عن إجابة لها أثناء قراءتنا لخبر أو مشاهدة فيديو هنا أو هناك، إلا أننى أثناء بعض قراءاتى فى أحد الكتب وبالصدفة البحتة وجدت ذكراً لإحدى التجارب الإجتماعية الهامة، وعندما بحثت عنها على شبكة الإنترنت عثرت على مجموعة من التجارب النفسية الخطيرة التى أجريت معظمها فى الخمسين عاماً الأخيرة فسّرت لى الكثير من الظواهر التى لم أكن أفهمها، فقررت تعميق البحث أكثر ومشاركته معكم من خلال سلسلة من المقالات.

تجارب مثيرة للجدل (1) – صناعة التضليل
رغماً عنى صرخت فيه قائلاً: "لماذا لم تتكلم؟؟ لماذا لم تدافع عن شرف الفتاة حينما هاجمها زملاؤك فى المكتب وأتهموها بأقذع الإتهامات؟ أى عباءة على اللحم تلك التى يتحدثون عنها؟ أنت تعرف جيداً أن سبب هجوم معظمهم عليها فى هذا الوقت بالذات هو أنهم صدرت إليهم الأوامر من قياداتهم أن يقوموا بتشوية صورتها لتهدئة الناس لأن مصلحتهم فى تلك الفترة تقتضى ذلك، فلماذا لم تردّ غيبتها فى تلك اللحظة؟ هل خفت منهم أم أنك لا تؤمن بالمبادىء التى تدعى الإيمان بها بما فيه الكفاية؟"
~~  موقف من ذاكرتى أيام الثورة


- مقدمة أشد مللاً -
إذا كان لديك رأى بخصوص شخص/جماعة/قضية ما، ثم وجدت نفسك فجأة بين مجموعة من الناس ترى رأياً مغاير، فهل تتأثر بداخلك ولو بشكل غير مباشر؟ هل إعتدت الدفاع عن رأيك فى مواجهة الآخرين مهما كان رأيك يبدو شاذاً مقارنة بمن حولك، أم أنك إعتدت الإستسلام وتفضيل الصمت (فربما كانوا هم على حق)؟ إلى أى مدى تتمسك بقناعاتك فى مواجهة الآراء المخالفة لرأيك، والتى تبدو كأشياء مسلم بها بين الجميع ماعدا أنت؟

هذا هو ما حاول "سولومون آش" (1907-1996) أحد رواد علم النفس الإجتماعى بحثه فى تجربة مثيرة للجدل تم نشر نتائجها عام 1951، تُعرف بإسم "تجارب آش للإمتثال" (Asch Conformity Experiments).





يعرف الإمتثال أو الإتباعية Conformity فى علم النفس أنه "محاولة مطابقة السلوكيات والمعتقدات الشخصية للفرد إلى تلك التى يراها أنها العادية/الأكثر إنتشاراً فى مجموعته أو مجتمعه"، وهذا يمكن أن يحدث على مستوى المجموعات الصغيرة، كالأصدقاء أو الزملاء على سبيل المثال، أو على مستوى المجتمع بالكامل. هذا التأثير ينتج عادة بسبب الضغط الإجتماعى المحيط بالفرد، والذى يؤثر عليه ويجعله لا يشعر بالراحة فى كونه مختلفاً عمن حوله، وذلك خوفاً من أن يصبح "منبوذاً إجتماعياً" أو  خشية أن يتعرض للنقد أو الهجوم، وبالتالى فهو يبدأ فى التأثر بالتيار العام المحيط به طلباً للشعور الزائف بالدفء والأمان وسط الجماعة المحيطة.

الآن وقد تعرفنا على ماهية "الإمتثال"، يمكننا البدء فى الحديث عن التجربة...


- التجربة -
التجربة ببساطة هى أن تتم دعوة الشخص محل التجربة إلى ما يخبرونه عنه أنه مجرد "إختبار نظر بسيط". يجلس هذا الشخص وسط حوالى 5 - 7 أشخاص آخرين، هم فى الحقيقة حلفاء للقائم بالتجربة، ولكن بالطبع صديقنا لا يعرف هذا ويظن أنهم جميعاً مجرد مشاركين مثله تماماً. ثم يتم عرض صورة مثل تلك الموجودة بالأسفل على جميع الموجودين على أنها إختبار النظر، وعلى المشاركين أن يقوموا بإلإجابة بالترتيب وإختيار أى خط من الخطوط الثلاثة مماثل فى الطول للخط الوحيد فى الجانب.


يقوم القائم بالتجربة بعرض الكارت الأول، ويبدأ المشاركون (الحلفاء والشخص الذى تقام عليه التجربة) بإختيار الخط المطابق والإجابة حسب ترتيب جلوسهم إلى أن يجيبوا جميعاً وتحسب تلك محاولة، ثم يتم عرض الكارت التالى عليهم ويتم سماع إجابات المشاركين مرة أخرى وهكذا. والخطة هى أن يقوم الحلفاء بترديد الإجابة الصحيحة فى أول محاولتين فقط، ثم يقومون جميعاً فى المحاولات التالية بإختيار إجابة خاطئة معينة وتكرارها عبر المحاولة الواحدة، إلى أن يصل الدور فى الإجابة إلى الضحية لنرى رد فعله، فالهدف الحقيقى من التجربة ما كان إلا دراسة مدى تأثير ترديد إجابة خاطئة محددة على حكم هذا الشخص وكيف سيكون رد فعله، هل سيجيب الإجابة الصحيحة بغض النظر عما قاله الآخرون أم سيتراجع أمام هذا الإجماع الغريب على نفس الإجابة؟ تم تكرار التجربة بأشخاص وعناصر أخرى وتنويعات متعددة لدراسة التأثيرات المختلفة.


- النتائج -
النتائج المذهلة التى نشرها العالم الأمريكى عام 1951 كانت كالتالى:
  • 33% من المشاركين وافقوا الأغلبية على الإجابة الخاطئة فى أكثر من نصف عدد المحاولات.
  • 75% من المشاركين وافقوا الأغلبية على الإجابة الخاطئة مرة على الأقل.
  • 25% فقط من المشاركين كانوا مستقلين تماماً وتمسكوا برأيهم عبر التجربة.

تم تصنيف النسبة المتمسكة بآرائها إلى ثلاثة مجموعات:
  1. مجموعة واثقة تماماً فى آرائهم المخالفة للمجموعة.
  2. مجموعة كانوا فى حالة توتر واضحة ولكنهم تمسكوا بوجهة نظرهم.
أما الباقون اللذين وافقوا باقى المجموعة على الإجابة الخاطئة تم تصنيفهم إلى ثلاثة مجموعات أخرى:
  1. مقتنعون أن الأغلبية تكون على صواب معظم الوقت.
  2. غير واثقين من أنفسهم وبالتالى تم التأثير على حكمهم على الأمور.
  3. يعلمون أنهم على صواب ولكن قاموا بترديد الإجابة الخاطئة لتلافى أن يكونوا مخالفين لرأى المجموعة.

كذلك تم التوصل إلى نتيجة أخرى هامة، وهى أن وجود ثلاثة حلفاء فقط يرددون الإجابة الخاطئة يقوم بنفس التأثير على النتائج الذى يقوم به أى عدد أكبر من ذلك، أى أن ترديد الكذبة ثلاثة مرات فقط يكفى تماماً ولا داعى لأكثر من ذلك. كما ذكرنا من قبل تم عمل تنويعات مختلفة على التجربة لدراسة التأثيرات المتعددة، وللتعرف على تفاصيل أكثر يمكن قراءة الوصلات الموجودة فى نهاية الموضوع. جدير بالذكر أيضاً أنه تم توجية الكثير من النقد لتلك التجربة المخيفة، مثلاً أن المشاركين بالتجربة كان معظمهم من الشباب الذى يسهل التأثير عليه وليس من كبار السن الأكثر نضجاً، وقد كان من الطبيعى توجية مثل تلك الإنتقادات الواسعة للتجربة بسبب نتائجها الصادمة.


- ربط النتائج بقراءة للواقع -
المتمعن فى قراءة نتائج تلك التجربة يستطيع بسهولة الربط بينها وبين الكثير من الأحداث اليومية التى يراها فى حياته. كما رأينا تكمن خطورة تلك التجربة فى نتائجها، فمن كان يصدق أن تلك النسبة المخيفة قامت بالتنازل عن رأيها تماماً فى مقابل رأى الأغلبية؟ وهل يعنى ذلك وجود إمكانية إستخدام التأثير المنتظم المتكرر للتحكم بآراء شخص أو مجموعة ما على نطاق أوسع؟ هل تذكر أيام الثورة صراخ المتصلين بكل القنوات الفضائية فى نفس الوقت من البلطجية اللذين سيلتهمونهم أحياء وكيف كان تأثير ذلك على العامة؟ حتى لو نظرنا إلى الجانب المغاير، فاللذين يهاجمون الثورة أنفسهم يرون أنها كانت بتخطيط جهات ما قامت بنشر الفكرة والتأثير على الناس وتحريكهم فى نفس الوقت. كيف أصبح الجميع يرى البرادعى فى خائناً فجأة فى وقت ما، وأنه "ساعد أمريكا على دخول العراق" إلخ، رغم أن حقيقة الأمر هى عكس ذلك بالضبط؟ كم كذبة تعتقد أنه تم نشرها بيننا من قبل وإعتبارها حقيقة واقعة فقط لأنها تم ترديدها أمامنا عشرات المرات لغرض ما فى نفس أحدهم أو بعضهم؟

أنظر إلى آراء الناس فى الجماعات السياسية، هناك من الجماعات من كان المجتمع المصرى يلفظهم قديماً، لكنهم أصبحوا الآن "قوم طيبون يريدون مصلحة الجميع"، وهناك جماعات آخرى كانوا أبطالاً ومناضلين، أصبحت الغالبية العظمى تنظر لهم أنهم "خونة" بدون أى سبب منطقى، كيف إنتشرت تلك الآراء بين الناس هكذا؟ ما هو العامل المساعد على نشرها سوى كثرة الزن المنظم، والذى يؤدى إلى بدء دحرجة كرة الثلج، ثم تتضخم الكرة آلياً كلما إنتشر الكلام بعد ذلك بسبب كثرة تكراره بين الناس؟ هل تجرؤ على مخالفة تلك الآراء المنتشرة بين أقرانك، أم أنك تصمت، بل وتحاول أحياناً أن تتوافق مع ما تسمعه بسبب الضغوط المحيطة، فتصبح أنت شخصياً إضافة جديدة لكرة الثلج المستمرة فى الدحرجة والتضخم؟


- مضاعفات -
لقد أدرك الجميع تأثير تلك الألعاب النفسية مبكراً، حتى هؤلاء العاملين بمجال التسويق، والأخطر حدث حينما قامت مئات من الجماعات ذات الإتجاهات المختلفة بإستخدامها ضدنا خلال الأعوام الماضية، سواء من خلال محطات فضائية تنشر الثقافة الغربية بشكل لا يتوقف كما يحدثنا د. أحمد خالد توفيق فى إحدى مقالاته عن أن أى مراهق مصرى يشاهد التلفاز الآن يدرك تماماً مدى بشاعة أن تكون الفتاة بلا شاب يصطحبها ليلة البروم(!)، أو على الجانب الآخر الجماعات الأخرى -وهى الأكثر تأثيراً- والتى تنتشر محلياً بين الناس لتقوم بالـ"زن" عليهم بهدف نشر بعض الأفكار لغرض ما، فهناك المئات من الظواهر التى لو نظرت حولك جيداً وحاولت قراءة ما بين السطور ستفهمها فى ضوء تلك التجربة، كإنتشار ملابس معينة بين الناس بكثافة خلال الأعوام الماضية، أو كظهور أفكار متطرفة غريبة على مجتمعنا وإنتشارها كالنار فى الهشيم رغم تأكيد الجميع أن هذه الأفكار ليست من داخلنا، إلخ، لكن خطورة هذا الأمر للأسف لا تتوقف عند مجرد نشر الشائعات.

يحدثنا د. فرج فودة فى كتابه "الإرهاب" تحت عنوان "الشائعات والطلقات" قائلاً:
لو قدر للمتطرفين أن ينشئوا مدرسة للإرهاب، لكان الدرس الأول فيها "لا تتسرع بإطلاق الرصاص، وابدأ أولاً بإطلاق شائعة، وتعمد أن تكون فجة ومثيرة، وأسهل الشائعات أن تتهم الضحية بتمزيق المصحف أو بدهسه بالأقدام، أو بأنه شتم سيدنا الحسين، أو أنه يتباهى بالكفر والإلحاد، أو بأنه شتم الدين الإسلامي، وسوف تنتشر الشائعة كالنار فى الهشيم، وبعدها لك أن تقدم آمنا مطمئاً على إطلاق النار، وسوف تجد طريقك ممهداً، وإرهابك مؤيداً، فأنت أمام الرأي العام، مدافع عن الإسلام، ومنتقم ممن داس المصحف بالأقدام، أو شتم سيدنا الحسين."

كيف تقوم بتجهيز الوعى العام لتقبّل أى حدث كان فى الظروف العادية سيرفضه؟ يحدثنا الكاتب بأمثلة أحداث واقعية عن تشكيل الوعى العام عمداً لكى يتقبل الأحداث المدمرة قبل القيام بها، وذلك عن طريق إطلاق بعض الشائعات المدروسة خلال الأبواق الخفية للجماعات قبل الحدث الطائفى مباشرة، وأحياناً أخرى قبلها بفترة طويلة لو كانت العملية المخطط لها ذات وزن ثقيل، مثل شائعة مدروسة تم نشرها عمداً عن قيام الأطباء الأقباط بتعقيم النساء المسلمات، وذلك قبيل أحداث الزاوية الحمرا الطائفية الشهيرة فى بداية الثمانينات، وأخرى عن أن الولايات المتحدة تقوم بتصدير "فراخ سامة" لمصر تأثير سمها لا يظهر سوى بعد 10 سنوات، وذلك للتمهيد لعملية هجوم إرهابى مسلح على سيارة تحمل دبلوماسيين أمريكان تم القيام بها بعد نشر الشائعة بفترة قصيرة، وفى كل مرة فإن رد الفعل الشعبى فى إستنكار الحادث الأليم يكون أقل بكثير من المتوقع وذلك لأن الوعى العام تم تهيئته مسبقاً ((عن عمد)) بنشر الشائعة، وأصبح بالتالى الحادث الإرهابى الذى يليه هو نوع من الإنتقام الإلهى الذى يثلج صدر العامة، وليس كارثة يجب الوقوف ضدها ومهاجمتها.

فى جزء آخر من الكتاب يحدثنا الكاتب عن كيف أن الشعب أيام حكم جمال عبد الناصر كان يتغاضى تماماً عن تعذيب معتقلى الجماعات الدينية فى السجون، وذلك لأن وعيه كان مهيئاً تماماً لفكرة إن هؤلاء جميعاً ما هم إلا مجموعة من القتلة يريدون تدمير المجتمع وبالتالى لم يكن يدافع عنهم أحد نهائياً. كل هذا لأن الماكينة الإعلامية وقتها من صحف وراديو كانت فى يد طرف واحد هو الحكومة، وبالتالى كان ما يترسخ فى ذهن الناس هو ببساطة ما أرادت الحكومة وقتها ترسيخه، هؤلاء جميعاً شياطين نحاول حمايتكم منهم، بالطبع لم تميّز المعتقلات بين الإرهابى الحقيقى أمثال شكرى مصطفى، والملتزم الغلبان والذى أوقعه حظه العاثر مع مخبر أراد إسعاد رئيسه فى العمل بضحية جديدة، لكن من ينشغل بتلك التفاصيل على أى حال؟

والآن ماذا يفعل الطرف الآخر وهو جماعة منظمة وقد أدرك قواعد اللعبة، بينما ليس لديه سلاحاً إعلامياً يمكّنه من التلاعب بوعى الناس؟ بسيطة، سيقوم بإحتلال المجتمع من أسفله عن طريق الإنتشار على الأرض بين الناس وترديد الكلام الذى يريد ترسيخه فى أذهان الناس مراراً وتكراراً، وبالتالى أصبح يمتلك ماكينة إعلامية أقوى مئات المرات من ماكينة الحكومة البالية التى مازالت تخاطب الناس من برجها العاجى، فالطرف الآخر هذا هنا يخاطب ذهنك مباشرة وهو جالس على المكتب المجاور لك فى العمل، أو على الكرسى المقابل لك فى القهوة وهو يحتسى معك كوباً من الشاى، وليس من خلال شاشة فى قنوات لم يعد أحداً يشاهدها أو سطور فى جريدة لم يعد أحداً يشتريها. هكذا إنقلبت الآية تماماً وأصبح الجميع خلال بضع سنوات تالية يقف فجأة ضد الحكومة الفاجرة على طول الخط سواء كانوا على صواب أو على خطأ، تماماً كما كانوا يقفوا قديماً ضد المعتقلين ظلمة كانوا أو مظلومين!

تخيل لو أن هناك الآلاف من البشر منتشرون بيننا، ينتمون لجماعة واحدة، ومتصلون بعقل واحد يحركهم، هل تدرك مدى خطورة أن تصدر أوامر لهؤلاء جميعاً بنشر نفس الكلام والأفكار بين الناس فى نفس الوقت؟ ببساطة شديدة سيصبح كذبهم بين ليلة وضحاها هو الحقيقة المسلم بها والتى لا تحتمل النقاش! على سبيل المثال إذا كان لدينا مؤسسة متوسطة الحجم تتكون من 1000 شخص، وإتفق 20 منهم فقط على نشر نفس الكلام فى نفس الوقت بنفس الكثافة، ثق تماماً أن الكلام الذى سيقومون بنشره -أياً كانت مدى صحته- سيصبح بعد قليل من الوقت حقيقة لا جدال فيها ولا نقاش، ومن سيكذّبها سينظر له الجميع كمن ينظر إلى شخص مجنون، وسيطالبوه فى سخرية أن يثبت لهم صحة إدعاؤه الشاذ!


- خاتمة -
يحكى أحد طلبة الجامعات بالخارج تجربته مع "تجربة آش"، فيقول أنه أثناء مشاركته فى تلك التجربة لم يقتنع بإجابات الآخرين الخاطئة وكان مصمماً بشدة على رأيه، لدرجة أنه قام من مقعده وأحضر قصاصة ورقية صغيرة وقام بإستخدامها لقياس الخطوط ومقارنة أطوالها وإثبات للآخرين أنه على صواب وهم على خطأ، ففوجىء لاحقاً بإستدعاء الجامعة له لمقابلة الأخصائى النفسى لدراسة "حالته"، فبالنسبة لهم كان تصميمه الشديد على رأيه ورفضه أن يكون جزءاً من القطيع يمثل سلوكاً غريباً يستحق الدراسة، وكأن عدم موافقته على كلام الآخرين يشكل خطورة ما للمجتمع!

والآن إذا كان لك رأياً مخالفاً للمحيطين بك، هل ستجاهر به فى ثقة؟ أم ستصمت وتدفن رأسك كالنعام وتسير فى ركبهم كالغنم؟

القرار لك وحدك...


وصلات متعلقة بالموضوع:
The Asch Experiment

Asch Conformity Experiment (1/2)

Asch Conformity Experiment (2/2)

البرنامج؟ مع باسم يوسف - الزن على الودان (24 ديسمبر 2011)

أحمد خالد توفيق - عن مكدونالد والبطة دونالد

أحمد خالد توفيق - عن سوبرمان الجديد (1)

أحمد خالد توفيق - عن سوبرمان الجديد (2)

Social Rejection


المراجع:

07 مايو 2012

رد بخصوص "متقولش عليهم بيئة"

الفقرة الأصلية "متقولش عليهم بيئة"
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=10151796968885001&id=718960000

عندى رد بسيط بس على الناس اللى عمّاله تشيّر الفقرة الصغيرة بتاعة "متقولش عليهم بيئة" اللى كتبتها الأستاذة "رانيا شكرى" وإنتشرت على الفيسبوك بشدة، كأن الكل فجأة بقوا ملايكة ومتقبّلين الـDiversity اللى فى المجتمع، والباقيين وحشين وJudgmental وبيظلموا خلق الله الغلابة.

هو إحنا كنا بننتقد الناس دى لمجرد إنهم فقراء وغلابة وجايين من بيئة بسيطة؟؟ لأ طبعاً وألف لأ، لأن الناس الفقراء والغلابة دول على راس كل واحد فينا من فوق وعلى راسى انا شخصياً من فوق.

إنما معلش لما ألاقى العيال دول بيعدّوا شارع البحر بملابسهم الداخلية (وأحياناً من غيرها!)، وبيدمّروا تماماً أى تمثال جمالى أو معلم سياحى أو حتى نافورة تطولها إيديهم، وييجوا يركبوا الترام يشغّلوا أغانى بصوت مزعج للناس كلها، وينادوا بعضهم بألفاظ نابية خادشة للحياء، ويمشوا فى الشارع يتحرّشوا بكل أنثى يشوفوها بالألفاظ وبالإيد. إزاى عايزين إننا نتقبل وجودهم بالشكل ده فى وسطنا؟

الناس اللى بتطالب بالترحاب بالناس دى هى ناس فاهمة فكرة تقبّل الآخر ومبدأ الـ Diversity غلط خالص، لأن أساس إحترام التنوّع فى البشر هو الإحترام المتبادل، يعنى انا أحترمك وإنت تحترمنى. فيه مثال أحد أساتذتى قالهولى على الموضوع ده هو إنك لو رحت مؤتمر فى دولة عربية ولقيت الناس هناك بتاكل بإيديها تحترمهم ومتتريقش عليهم لأن هما ثقافتهم كده، فى مقابل ده هما كمان لما ييجوا مؤتمر فى مصر أو فى دولة أجنبية مثلاً لازم يحترموا ثقافة الحضور اللى حواليهم وياكلوا بالشوكة والسكينة.

هو ده تعريف التنوّع البشرى وتقبّل الآخر فعلاً.

من حق كل إنسان فقير قد يكون ربنا حرمه من فرصة حياة كويسة زينا -لسبب هو أعلم به- إنه يشعر بالسعادة وده شىء مفروغ منه، وإنه يتمتع بالبحر الجميل اللى ربنا خلقهولنا "كلنا" مجاناً، وإنه يتفسح وينبسط ويتصوّر مع أصدقاؤه فوق كوبرى ستانلى وفى أصغر مول فى إسكندرية لو هو حابب كده...

إنما إزعاج وتدمير وتحرّش؟ وجايين تطالبونا بتقبّل ده؟ لأ طبعاً لازم نميّز الخط الفاصل بين تقبّل الآخر وتدمير نفسنا، الموضوع أكبر بكتييييييير من مجرد مجموعة شباب فقير طيب القلب حب يتصوّر فى المول وشباب معوج بيتريق عليهم زى ما الأستاذة رانيا تفضّلت وكتبت مشكورة فى تعليقها.

وشكراً.

أندرو جورج
07-05-2012



06 فبراير 2012

عن الردود اللى مش بنقولها


فيه مواقف كتير قوى بتحصل لنا، وبيبقى جوانا ردود قوية نفسنا نقولها، بس غصب عننا بنضطر نبلع الردود دى ونرد بكلام تانى أكثر هدوءاً عشان ميتقالش علينا همج، رغم إن الرد اللى كتمناه جوانا ده بيبقى غالباً أبلغ رد على الهبل اللى بنسمعه...



قاعد مع قريبك الكبير الرخم...
- انتوا جيل بايظ.
الرد اللى بتضطر تقوله: معلش يا عمو مع إحترامى الكامل لحضرتك يعنى ده إختلاف أجيال وثقافات وأكيد جيلكم كان عنده خلافات مع الجيل اللى قبله برضه.
الرد اللى جواك: يعنى هو جيل أمك اللى كان سليم؟ بقى جيلنا إحنا اللى بايظ ياللى كنتوا بتشربوا السجاير اللى من غير فلتر من ورا أهاليكم؟ ياعم أستر نفسك جتكوا القرف!


نازل مشوار ومستعجل، والست والدتك راحت منادية عليك مخصوص جابتك من آخر السلم ...
- خلى بالك على نفسك، وبص كويس وإنت بتعدى.
- الرد اللى بتضطر تقوله: حااااااااااضر.
- الرد اللى جواك: لا تصدقى أضفتى كتير قوى بكلامك ده؟؟ انا فعلاً لولا الجملتين دول كان زمانى رميت نفسى تحت أول مقطورة قابلتها بس الحمد لله إنك لحقتينى!


مع مديرك فى الشغل...
- كل واحد يقولى حاجة ممكن تساهم فى تقليل تكاليف الشركة لأن الأرباح السنة دى نزلت.
- الرد اللى بتضطر تقوله: نعمل تحسين للإنتاج وتقليل لنسبة العيوب.
- الرد اللى جواك: إحنا نمنع المية والهوا عن الموظفين، وكل واحد يجيب معاه قزازة مية وأنبوبة أكسجين وهو جاى من البيت عشان يتنفس، وبكده نبقى وفرنا تكاليف ضخمة جداً، ولا أقولك هما يمشّوك من هنا والأرباح هتزيد لوحدها، هو فيه حاجة ودت الشركة فى داهية غير إدارتك الفاشلة؟ يا حماااااااااااااااااااار!


مع نفس مديرك فى الشغل...
- عايز الـ378 ريبورت اللى طلبتهم منك خلال ربع ساعة بالكتير.
- الرد اللى بتضطر تقوله: حاضر.
- الرد اللى جواك: يا بيه الحاجات اللى انت بتطلبها دى عيب وحرام وبيتهزلها عرش السموات والأرض!


فى الإنترفيو...
- قولى لى ليه إخترت شركتنا؟
- الرد اللى بتضطر تقوله: إخترت الشركة هنا لأنها بتتطور وتكبر بإستمرار وانا أحب جداً إنى أكون جزء من نجاح مؤسسة عظيمة زى دى.
- الرد اللى جواك: ياعم اخترت ايه؟ يعنى مانتاش شايف السوق واقف إزاى؟ انا ببعت السى فى بتاعى فى أى حته وخلاص والسنارة لقطت معاكم مش أكتر يعنى!


و فى ذات نفس الإنترفيو...
- اية أحسن ميزة فيك؟
- الرد اللى بتضطر تقوله: الدقة والإلتزام.
- الرد اللى جواك: عينيّا العسلى بروح أمك! اية السؤال الغبى ده؟ إنت أهبل يالا؟؟
                                                                                                      

فى إنتظار مواقف مماثلة منكم :D

أندرو جورج
06/02/2012

13 يناير 2012

الثوابت والماضى والشك - خواطر مفككة ملهاش أى تلاتين لزمة

-الثوابت-

كان فيه حلقة فى مسلسل "لوست" كانت فلسفية جداً -كعادة المسلسل- كان إسمها The Constant، الحلقة كانت بتحكى قصة أحد أبطال المسلسل "ديزموند هيوم"، وهو شخص إكتسب قدرة إنه يسافر عبر الزمن بعقله. والحلقة كانت بتحكى إنه كان قرب يتجنن لأنه كان بيتحرك بين ماضيه وحاضره بشكل جنونى ومكانش فيه أى محطة ثابتة قادر يقف عليها، ماضيه كان مختلف تماماً عن حاضره ومفيش أى حاجة مشتركة بينهم، وكان على وشك إنه يفقد عقله تماماً، لغاية ما إكتشف إن الحاجة الوحيدة اللى هتحافظ على عقله من الجنون هى إنه يلاقى "الثابت"، والثابت ده هو أى حاجة كانت موجوده فى ماضيه وإستمر وجودها فى حاضره، حاجة زى مرساة المركب كده بتثبته فى الوجود وتحقق له الإستقرار العقلى.
http://lostpedia.wikia.com/wiki/The_Constant

كنت مرة زمان كتبت مقال بالإنجليزى إسمة "البحث عن الثابت"، كنت بتكلم فيه على إن إزاى الشخص بيحاول خلال حياته يوجد حاجات ثابته حواليه، دعائم ضرورية للإستقرار النفسى للإنسان تحسسه إنه مثبت فى الأرض رغم كل التغييرات اللى بتحصل حواليه وبتحصل له هو شخصياً، وقد تكون الثوابت دى عقيدنه الدينية، أو أهله اللى مهما الدنيا إتغيرت هما مش بيتغيروا (إلا فى حال وفاتهم)، أو أحباب ورفاق حياة (رغم إنهم عرضه فى أى وقت للإنسحاب من حياة الشخص)، أو أماكن معينة كان بيزورها الشخص فى طفولته ومتغيرتش من ساعتها، أى حاجة زى
Reference Points
لما يلاقى نفسه تاه يرجع يبص عليها فيحس بالإطمئنان والثبات نوعاً ما.


-الماضى-
إعتزازنا بذكريات الماضى أحياناً بياخد منحنى مبالغ فيه زى ما بيحصل معايا ومع كتير من أبناء جيلى اللى الحاضر بيجرى حواليهم بسرعة الصاروخ، لأن الماضى هو الحاجة الوحيدة اللى فى حياتنا مش هتتغير أبداً، عشان كده بيجيلى حالة قرف فظيعة كل ما أحس إن حاجة من ثوابت الماضى بتاعتى بيتم تغييرها ولو للأفضل.

على سبيل المثال انا فاكر كويس إنى كنت متضايق جداً لما كنيسة الأنبا تكلا تم إعادة بناؤها لأنها كانت آيلة للسقوط تماماً، كل الناس كانت فرحانة لما شافوا الكنيسة الجديدة مكانها بس انا كنت متضايق جداً، أى نعم فيه كنيسة إتبنت بمعجزة ما بدل اللى كانت هتنزل على دماغ الناس اللى فيها، بس مش هى دى الكنيسة اللى كنت أعرفها من أيام وانا عندى 3 سنين، دى واحدة غيرها! مش هو ده المكان الثابت اللى كنت بروح أترمى فيه لما كنت بحس كل حاجة حواليا بتجرى وبتتغير بشكل جنونى، حتى الحاجة الثابتة بتاعتى غيرتوها؟ حتى الـ Panic Room اللى كنت بستخبى فيها وقت الخطر إختفت؟

ودلوقتى البيت اللى إتربيت فيه هيتهدّ ويطلع عمارة، واحد صاحبى لقانى متضايق جداً قال لى "يابنى مانت فى الآخر هيبقى عندك بيت كبير وشيك زعلان لية؟"، رديت عليه ببساطة "بس مش هيبقى هو !". والدتى بتسألنى مع كل ورقة قديمة مهترئة أتمسك بيها زى المجانين وأصمم إنها تتحط فى الكراتين اللى هننقلها معانا "يابنى إنت هتحتفظ بكل ده ليه؟"، أرد عليها وأقول لها "دى الحاجات الوحيدة اللى باقية لى"، تبصلى فى إستغراب ومتفهمش ردى العجيب ده !


-الشك-
أحد أهم أنواع الثوابت هى الثوابت اللى بتكون جوه الشخص، أفكاره المزروعة جواه، اللى هى أعمق ما يؤمن به الشخص. محدش يقدر ينكر إننا مهما إدعينا إن شخصياتنا إتغيرت تغيّر جذرى خلال مراحل حياتنا دايماً هتلاقى حاجات معينة جوانا مبتتغيرش ومحفوظة جوانا فى صندوق مغلق من أجل الحفاظ على إستقرارنا العقلى، والعبث بمكوّنات الصندوق ده عواقبه عمرها ما بتكون مأمونه أبداً.

خلال الكام يوم اللى فاتوا كنت مش عارف أوصل للإنترنت بشكل منتظم ومكنتش متابع الأخبار نهائياً، وقتها كنت مرتاح نفسياً بشكل معداش عليا من فترة طويلة! مفيش أخبار تحرق الدم، مفيش تعليقات متخلفة من شوية بهايم مش فاهمين حاجة أصلاً المفروض إنك متشتمهمش شتايم قبيحة لأنك مرتبط بفكرة "إحترام الرأى الآخر"، مفيش تصريحات من مسئولين تجيبلك شلل رباعى...
وفجأة رجعلى النت ولقيت نفسى جالى نفس إرتفاع ضغط الدم بتاع زمان.

ساعتها بس فهمت ليه الناس اللى مغمّية عينها وقافله دماغها على حاجة بتستميت فى الهجوم على كل من يحاول زعزعة إستقرار دماغهم، مين يضحى براحة البال الفظيعة دى ويروح عالم تشغيل الدماغ والتفكير اللانهائى اللى بيضيّع سلام الواحد الداخلى تماماً؟ مين بالذمة يضحى براحة البال والهدوء الناجمين عن تثبيتهم لأنفسهم بجذور ثابته فى الأرض، ويسمحولك إنك تقطع الجذور دى وتسيبهم فى مهب الريح؟ عشان كده بقى الناس المغيّبة بتستميت فى الهجوم على أى حد بيحاول يصحيها من الغيبوبة (أياً كان نوع الغيبوبة)، 

أبسط مثال للموضوع ده شفناه كلنا خلال الثورة، هو مثال أتباع حزب الكنبة، الناس دى قفلت دماغها على إن الرئيس الأب هو محمد حسنى مبارك، وإننا واكلين شاربين الحمد لله، الناس دى ثبتت نفسها فى الأرض بجذور الفكرة دى، وأى زعزعة للفكرة دى هيزعزع إستقرارهم النفسى، لو جيت سعادتك فرجت حد منهم على فيديو تعذيب مواطن فى أقسام الشرطة عشان تفتح عينيه على الواقع، توقع من الراجل ده أبشع ردود الفعل (حسب تماسك قواه العقلية)، لأنك هنا بتحاول زعزعة إستقراره النفسى وبتهدم ثوابته "مبارك الأب-بناكل وبنشرب-الحمد لله" اللى هو مثبت نفسه بيها فى الأرض، كأنك ماسك فاس ونازل ضرب فى العمود اللى محافظ على إستقراره النفسى، وبتهدم الدنيا على دماغ اللى خلفوه!

إحنا نفسنا حصل لنا كده مع كل صدمة مرت بينا فى حياتنا، انا فاكر من سنين أيام ما بدأت عينى تتفتح وبدأت أشوف الفيديوهات دى كان بيجيلى حالات إكتئاب وخوف بالأيام، وأيام اللى حصل لخالد سعيد كانت حالتى النفسية متدمرة، بينما الكنباوى الأصيل كان بينام قرير العين وهو مقتنع تماماً إن "الشرطة فى خدمة الشعب" وإن "خالد سعيد ده عيل صايع بلع لفافة بانجو"، ماهو لو مكانش بلع لفافة بانجو يبقى الشرطة هى اللى قتلته، ولو الشرطة اللى قتلته يبقى منظومة السلامة النفسية اللى عند صاحبنا ده هتتنسف تماماً وإستقراره النفسى هيروح فى ستين داهية، وبالتالى لازم يوجد لنفسه أى تبريرات تحافظ على إستقراره النفسى، العقل الباطن بيلعب ألعاب قذرة كتير عشان يأمن نفسه ويحافظ على الإستقرار النفسى للشخص اللى هو موجود بداخله.


-خاتمة-
اية اللى المفروض تقفل عليه وتعتبره ثوابت؟؟

الموضوع نسبى تماماً، ما بين شخص بيحط كل حاجة تخصه تقريباً فى الصندوق المغلق بهدف الحفاظ على نفسه، وده شخص بتلاقيه متعصب جداً لكل حاجة هو مقتنع بيها وصعب إنك تحاول تناقشه أصلاً فى أى حاجة لأنه بيبقى خواف جداً، ومرعوب على كل حاجة هو حاططها فى صندوقه، وممكن ياكلك لو حاولت تزعزع قناعته بأى حاجة حتى لو كانت بخصوص فوايد شرب اللبن اللى إتضح مؤخراً إن شرب كميات مبالغ فيها منه بيتسبب فى كوارث صحية متعددة!

وعلى الطرف التانى من الطيف هنلاقى الشخص اللى بيخضع كل حاجة للشك والتفكير والقياس، وده شخص عمره ما بيرتاح أبداً، كل شىء عنده محل شك، حتى إيمانه وحتى وجوده نفسه، ودول مع الوقت بيفقدوا عقلهم تماماً وبيتكتب عنهم فى التاريخ إنهم "فلاسفة" !

فى الوسط بقى بتلاقى الشخص اللى بيقفل على الحاجات الخطيرة فقط، زى عقيدته الدينية مثلاً وبس، وبيخضع كل حاجة تانية للشك، لكن المشكلة إن الوسط ده عامل زى الزئبق صعب تمسكه، وتلاقى نفسك بتحاول توسطن نفسك عنده دايماً بس غصب عنك بتجنح لليمين أو لليسار خلال فترات حياتك، يا بتحمى حاجات بزيادة فى الحقيقة ملهاش أى قيمة، يا إما بتفرط فى حاجات شديدة الأهمية التفريط فيها خطر جداً.

الثوابت ضرورية للحفاظ على إستقرارك النفسى،
لكن...
كل شىء حولك يتغير،
لذلك...
تحاول التمسك بالماضى بداخلك كنوع من الثوابت،
حتى...
يتسلل الشك إليك ويغيّر ما بداخلك،
وكلما...
توغّل الشك بداخلك أكثر وتغلغل إلى كل ما تؤمن به،
يؤدى بك إلى...
المزيد من التفكك،
ويدفعك دفعاً إلى ...
التمسك بالماضى أكثر،
كنوع من...
الثوابت الضرورية للحفاظ على إستقرارك النفسى،
وهكذا...

ما قلنا خواطر ملهاش أى تلاتين لزمة !

أندرو جورج
13-01-2012

16 ديسمبر 2011

فزّورة الشجرة اللى عايزه قطعها


معظم النار من مستصغر الشرر: عن المشكلة التى لا يراها أحداً كمشكلة -
هو: يسير فى الشارع وعيناه تبدوان مثبتتان فى منتصف رأسه، بينما هما فى الحقيقة تتقافزان فى جميع الإتجاهات ناظرين إلى الفتيات يميناً ويساراً. تجول بفكره للحظة خاطرة تجعله يتعجب من نفسه، فهو يذكر جيداً كيف إنه فى أوج فترة مراهقته نفسها منذ عشر سنوات لم يكن ينظر للفتيات بتلك الكثافة البشعة رغم أن وقتها كان مقدار التحرر أكثر بكثير من الآن، فماذا جد الآن حتى أصبح يسير متفحصاً كل شبر من كل فتاة وسيدة تمر أمامه رغم أنهم تغطوا أكثر بكثير عما كان الحال عليه منذ عشر سنوات ؟

ينفض عن رأسه تلك الفكرة لأنها بدت له متناقضة، وتفسيرها الوحيد هو أن هناك خللاً ما حدث له، وهو لا يرى فى نفسه مشكلة، فالنفس البشرية تأبى دائماً الإعتراف أن بها خطأ ما، لعبة نفسية معتادة تراها كلما حاولت وضع شخص ما فى مواجهة مباشرة مع شياطينه: صدمة وتجهم، ثم محاولات مستميتة للدفاع عن نفسه وإلصاق الخطأ بكل شىء آخر بما فيه أنت شخصياً، يليها إنفجار مدمر لا يستطيع أحد أبداً تقدير قوته أو إتجاهه.

"لقد إزدادت الفتيات توحشاً وعرياً، إلى أين سيأخذونا أكثر من ذلك؟"، تجول تلك الفكرة فى داخل رأسه فى نفس الوقت الذى يحاول فيه بإستماته إختراق ملابس سيدة أخرى ببصره، ليكتشف لاحقاً عندما إلتفتت لتتفحص واجهة إحدى المحلات أنها تعدت الخمسين عاماً، يشعر بالغباء الشديد ثم يصعد إلى منزله.

يقوم بتغيير ملابسه، ويجلس فى صمت إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به ليتفحص الفيسبوك. يرى أحد الأصدقاء وقد شارك بإحدى الصور تظهر فيها بعض الشابات المصريات يرتدين البناطيل الجينز العادية، ومكتوباً تحتها مناجاة كوميدية ساخرة ترجو الفتيات أن يقوموا بتوسيع ملابسهم قليلاً، وأن لا يرتدوا الكعب العالى الذى يثير صوته الإنتباه لهم، وأن لا يضحكوا بصوت مسموع، إلخ...

تثير الصورة والتعليق فى نفسه تشفّى وحشى، وراحة داخلية شديدة فى نفس الوقت، كالراحة التى تتركها فينا جرعة ماء بارده فى نهارأغسطس المشتعل. يقوم بمشاركة الصورة عنده هو الآخر مع إضافة تعليقه الكوميدى "أيوة بقى إرحمونا يا بنات ده إحنا زهقنا"، يدخل بعضاً من أصدقاؤه الشباب ليتركوا تعليقات كوميدية مماثلة تثنى على الصورة، وينضم لهم أحد من يدعونهم بالـ"متدينين" ليلعن "فتيات اليومين دول" جميعاً ويشاركنا بأحلامه المتمثلة فى أن تقوم الحكومة القادمة بمنع الفتيات من إرتداء مثل تلك الملابس.

يضحكون بشدة، ثم ينسى الجميع كل شىء، وكأن شيئاً لم يكن...

الناظر إلى الحدث نظره سطحية يرى أن الأمر نمطى، بينما فى الحقيقة تلك الأحداث المتتالية المتكررة لها تأثير متضخم ككرة الثلج: ففى تلك القصة الصغيرة قام جميع المشاركين بها ببساطة وبشكل لا إرادى بترسيخ الفكرة ذاتها مرة أخرى بشكل أقوى بكثير فى عقلهم الباطن: يجب أن نغطى الفتيات أكثر حتى لا نُثار نحن بهذا الشكل، وهنا وجب علينا أن نتوقف قليلاً ونسأل هل ستحل المشكلة بالتغطية حقاً؟


- العَرَض...والمرض -

التمييز بين الأعراض والمرض نفسه هو المفتاح لتحديد أصل المشكلة، ومن ثم حلها، هل الكحة تسببت فى الحساسية أم الحساسية هى التى تسببت فى الكحة؟ إذا إستطعت تحديد أيهما السبب وأيهما النتيجة، تعالج السبب فتختفى النتيجة، والسبب الرئيسى فى كارثتنا هنا هى أن معظم الناس لا يستطيعون التمييز بين السبب والنتيجة.

لذا وجب أن نفصل بين المشكلتين:
1) مشكلة ملابس الفتيات الغير ملائمة (من وجهة نظر الناس بالطبع لأن الموضوع نسبى تماماً).
2) مشكلة الشاب المتحرش، حتى لو كان ذلك بمجرد النظر وبدون أن تلاحظ الفتاة ما حدث.

يدّعى هواة المنع والتغطية أن الثانية نتيجة للأولى، أى أن المرض هو "ملابس الفتيات الغير محتشمة"، وبالتالى ظهر العَرَض متمثلاً فى زيادة التحرشات فى الشوارع، والحقيقة أن المشكلتان منفصلتين تماماً، فإعتبارك أن التحرش بفتاة هو نتيجة لإختيارها لملابسها = تصريح بإنتهاك كل من لا ترتدى ملابس على هوى الشاب المتحرش، نعم هو تصريح، وأقول أنها مسألة أهواء لأن الملابس شىء نسبى تماماً، فحتى التفسيرات الدينية بهذا الصدد تتعدد بين أبناء الدين الواحد.

لا داعى أن أعيد نفس الكلام المستهلك عن مصر الستينيات التى كان أهالينا أنفسهم يرتدون فيها المينى جيب والباديهات ولم يكن يتعرض لهم أحد، ولا داعى أيضاً أن أعيد نفس الكلام المستهلك عن إرتفاع نسب الشذوذ فى الدول التى تجرم وتمنع كل شىء، لأن هذا الكلام قيل كثيراً من قبل وأصبح تكراره مملاً. أنت ترى بالطبع أن من واجبك إسداء النصح والدعوة لأخواتك بغض النظر عن كل شىء، جميل، قم بإسداء النصح وأنشر دعواك كيفما شئت مادامت من تكلمها سمحت لك أن تتكلم معها وأعطتك فرصة أن تسمعك، لأن تلك هى الحالة الوحيدة التى من حقك أن تنطق فيها. وهكذا تكون أديت دورك الدعوى مع الطرف الأنثوى من المشكلة، هل تشعر أنك أديت دورك الآن؟ ممتاز. لكن هل حللت المشكلة حقاً بعد سنوات من زيادة التغطية؟ لا، بل أنه يبدو أحياناً للمتأمل للأمر من بعيد أن نسبة التحرشات تتناسب طردياً مع مقدار التغطية !

هنا يظهر صديقى الخبيث متسائلاً، مدفوعاً بتفكيره المتطرف المعتاد، قائلاً: "أنت تدعو لتعرّى البنات إذن مع إصلاح أخلاق الشباب؟" لأجيبه أن الأمر الآن تحوّل إلى مسألة أولويات بعد أن أثبتنا بالتجربة خطأ دعواكم الفاشلة المتمثلة فى "إخفاء الكارثة بالتغطية"، أيهما إذن يجب أن نعطيه الأولوية الآن: تغطيتهـ"نّ" أكثر وأكثر؟ أم إصلاح أخلاقهـ"م"؟ وأرجوك لا تحدثنى عن ضرورة أخذ الإتجاهين معاً الآن بالذات، فلم يتبقى لك شىء لتغطيه سوى بأن تمنع النساء من الخروج من منازلهم أصلاً !

الآن وقد ثبت ضعف منطق من يطالبون بالتغطية تجدهم يلعبون الكارت الأخير بأن "التغظية لدرء المفاسد بغرض حماية الفتيات من ضعاف النفوس من الرجال". لقد ثبت لدينا بعد أعوام وأعوام من التجربة بالدليل القاطع كذب وتضليل كل هذه الدعاوى، وأدعوكم لتأمل الصورة التالية لشابين يتفحصان ما أستطاعوا رؤيته من إحدى مرأتان منقبتان تسيران فى الشارع، وهو "كعب قدمها" ! هل قامت التغطية بحمايتها حقاً؟ بإمكانى إحضار مئات الصور من تحرشات الأعياد التى تكون باليد وليست بالنظر خلال السنوات الماضية والموجودة فى كل الجرائد، ولسيدات كهؤلاء، فهذه ليست حالة فردية بل هى إتجاة عام، كلما غطيت شيئاً سيبحث عن أى شىء آخر فيها يمكنه رؤيته، مادمت لم تصلح منه هو نفسه !

تأمل الصورة جيداً...
- أوباااااااااااا شفت ياض؟ البت اللى ماشية هناك دى كعبها باين، أيووووووووة، كعب جامد قوى، انا تعبت يا عم من المنظر !
- بص السافلة...ماهى لو كانت بنت محترمة مكانتش كشفت كعبها بالمنظر ده قدام اللى رايح واللى جاى، أستغفر الله العظيم، ما تتغطوا بقى الله يحرقكوا !

بمناسبة هذه الصورة، صدمت صدمة عمرى عندما كنت أناقش أحد الزملاء من أتباع التيار السلفى على الفيسبوك وعرضت عليه تلك الصورة، فقال لى بالنص:

"على فكرة الصورة اللي انت حاططها فوق دي بتأكد الكلام ان البنت دي لو مكنتش مبينة كعبها مكانوش بصوا عليها بدليل انهم سابوا كل حاجه و بصوا على كعبهاو الكلام اللي على الصورة بيثبت أكتر و أكتر لأن في أوروبا فعلا بتبقى لابسة ربع ده و فعلا محدش بيتحرش بيها ...... بس ممكن تقوللي بقه نسبة الزنا هناك كام و هو ده اللي مسببلهم اكتفاء و عدم تحرش بيهم مش انهم مؤدبين و بيغضوا بصرهم ...... و هو ده اللي فيء ناس عاوزانا نوصله و هو اننا نوصل لنسبة الزنا دي علشان منتحرش بيهم في الشارع ...... و نعم التفكير"

أى بإختصار: فى أوروبا لا يتحرشون بالنساء فى الشوارع لأنهم ينامون معهنّ، بينما نحن هنا من كثرة طهارتنا نتحرش بهم فى الشوارع !!!

تأمل جيداً فى كل ما يحدث حولك وتعلّم كيفية قراءة الأحداث وتحليلها، وقتها ستعرف أيهما العَرَض، وأين يكمن المرض...


- "أطالب سيادة الرئيس -أطال الله عمره- بمنع المواقع الإباحية" -
تذكرت أحد المحامين الأغنياء عن التعريف، والذى لا هم له سوى أن يرفع قضية على المطربة الفلانية لأنها ظهرت مرتدية فستان سوارية يُظهِر جزءاً من صدرها على الشاشة، كنت دائماً ما أتمنى الصراخ فى وجهه قائلاً "وإنت كنت بتتفرج عليها ليه أساساً ؟!!"

جلس الشاب إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به، وحاول الوصول إلى أحد المواقع الإباحية الشهيرة، ليجد عبارة غريبة تظهر له بأن هذا الموقع ممنوع الوصول إليه، تمتم لنفسه "اللعنة !" وحاول الوصول يميناً ويساراً فلم يتمكن، ظل قرابة الثلاث ساعات يحاول فتح أى موقع إباحى لكنه لم يستطع، فلقد قام جاره صاحب وصلة الإنترنت بمنعها تماماً، نموذج مصغّر للدعوات المطالبة "للحكومة" بفرض الرقابة على الإنترنت بهدف منع المواقع الإباحية عن الشباب.

والآن ما رأيك فى هذا الشاب؟ ما رأيك فى الحجب الذى فرضه عليه صاحب الوصاية؟ هل حافظنا على أخلاقه هكذا؟ أى أخلاق تلك التى نتحدث عنها هنا؟

هل تكمن المشكلة فى "نجاح" الشاب فى الوصول إلى تلك الأشياء؟ أم أن المشكلة متمثلة فى أنه "حاول" الوصول إليها من الأصل؟ إذا كانت مشكلتك كلها متمثلة فى أن تمنعه من "النجاح فى الوصول"، فأنت منافق، لأنك تعلم جيداً أنك مهما فعلت فهناك مئات الطرق ليحصل بها على مراده، وتصعيبك عليه الأمور لا يمثل سوى حافز لمشاعر التحدى الموجودة عند كل بنى البشر وحب خرق القوانين الموجود بشكل متفاوت من شخص إلى آخر، ولنأخذ من الحشيش والخمر مثالاً، الخمور فى مصر ليست ممنوعة وتباع علناً فى المحال وبأسعار رخيصة، ولكن لا أحد يهتم بها نهائياً ومصر تقريباً أقل دولة فى العالم من ناحية إستهلاك الخمور، أما الحشيش، فلا داعى للحديث عنه فكلنا نعلم جيداً نسب إستخدامه. (ملحوظة: لو ظهر نفس صديقنا الخبيث وإعتبر الكلام هنا أنه دعوة لدعم الحشيش والهيروين والكوكايين ونزولهم على دفاتر التموين، سأضطر آسفاً للرد عليه بألفاظ نابية !)

صديقى الخبيث الممل يسأل بطريقته المعتاده: "إذن أنت ترى أن التحضر يعنى إباحة العرى؟؟"

حسناً هذا السؤال أقل غباء نوعاً ما ! فى الحقيقة انا أرى أن قمة التحضر هى مقاطعة العرى. إن قمة التحضر هى أن يقوم أحد المنتجين بإنتاج فيلم هابط مسف ونقوم نحن بإسقاطه عن طريق مقاطعته ثم يتم رفعه من السينما خلال أسبوع من عرضه وذلك لفشله الشديد، هذا هو التحضر الحقيقى، فالتحضر ليس أبداً أن تقوم بمنع نزول فيلم بدور العرض، فقط ليتداوله الشباب جميعاً ليعرفوا سبب منعه!

إذا كنا شعباً إختار لنفسه الحرية حقاً، فلنكن ناضجين فكرياً بالشكل الكافى لنراقب أنفسنا ذاتياً، نحن لا نحتاج لحكومة رقيبة تحجب عن الشعب المراهق ما قد يضره، وتقدم له ما قد ينفعه، فكلنا نعلم جيداً أننا لو حبسنا الشعب كله فى قمقم فسيصل فى النهاية إلى مبتغاه رغم كل شىء.

قم بتربية أولادك على مقاطعة تلك الأشياء تكون قد أديت رسالتك صحيحة وكاملة. وأعلم أنك إذا طالبت بمنعها فكأنك بالضبط تطالب بنشرها أكثر وأكثر.



- "متاكلش قدامى وانا صايم" -

عبارة كوميدية يرددها الكثيرون، على سبيل إدعاء المزاح معظم الوقت، لكنها لا تكون مزاحاً بنسبة مائة بالمائة أبداً، وهى تدل على تفكير ملتوى غريب. وصلت الكوميديا بالأمر منذ حوالى أربع سنوات أن الناس أثنت على سلوك بعض الضباط اللذين كانوا يداهمون القهاوى التى تضم المفطرين فى نهار رمضان، ويقبضون عليهم، ويضربوهم ويسحلوهم فى الأقسام ثم يطلقون سراحهم، وطالبوا الحكومة بتعميم هذا السلوك المريض تحت دعوى حفظ الأخلاق العامة!

إن جوهر الصيام فى جميع الأديان والحضارات واحد: هو تمكين الإنسان من كبح جماح الجسد والشهوات، والسيطرة عليهم وإخضاعهم. فكيف إذن تجاهد ضد شىء غير موجود أصلاً؟ إذا قمت بحبسك فى غرفة مغلقة طوال وقت الصيام تحت دعوى أننى "أحميك" من أن تضعف وتأكل، هل تعتبر صائماً؟ أى أجر تأخذ ولماذا وأنت قد أجبرت تماماً على الصيام، بينما لو كانت واتتك الفرصة لتأكل لكنت فعلتها فوراً؟

انا شخصياً أرى أننى إذا لم تكن الأشياء التى أحاول الجهاد ضدها موجودة، فإن صيامى يعتبر غير ذى قيمة، وذلك لإنتفاء وجود ما أصوم عنه (أى أمنع نفسى عنه) من الأساس !!!! و نعود ونطرح نفس السؤال على صديقى الخبيث: هل تكمن مشكلتك فى منع "نجاح" الشخص فى الوصول للأكل؟ أم أن مشكلتك فى إستعداده للتضحية بالصوم من الأصل؟

إن الشخص الصائم الذى يقوم بتعنيف كل من يفطر أمامه طالباً منه أن يفطر فى الخفاء هو ببساطة:

1) مخادع وكاذب: لأن الله طلب من الصائم أن يكبح جماح شهواته، بينما هو يصرخ مطالباً بإخفاء الأكل من أمامه كأنما يحاول خداع الله مدعياً أنه صائم، ولكن فى الحقيقة هو ليس كذلك نهائياً !

2) أنانى ومنافق: لأنه مُطالَب بشدة بأن ينصح المفطر بالحسنى، لا بإخفاؤه من أمامه. من يطالب بعقاب المجاهرين بالإفطار أو إخفاؤهم لا يهتم سوى بنفسه وبالمظهر العام لا أكثر ولا أقل.

3) ضعيف الإيمان: فإذا كان لا يتحمل رؤية شخص يأكل فى العلن ويرى أن هذا يضعفه ويدعوه للإفطار هو الآخر، ألا يدعونا هذا للتساؤل عما قد يفعله وهو وحده فى المنزل بدون رقيب؟؟

كُن على قدر من القوة يجعل المُفطِر يرى فيك النموذج والقدوة، يجعله يتمنى أن يصبح فى مثل قوتك لا يهتز له جفن، لا أن تبدو أمامه بمظهر الفأر المذعور من خياله!


- محطة تجمّع الخطوط -
يبدو أن صديقنا الخبيث عاد مرة أخرى، أعتقد أننا تكونت بيننا ألفة ما من كثرة ما مررنا به معاً. بالطبع هو يتسائل: "هل يعنى كلامك إتاحة وتسهيل الوصول للخطأ، وذلك لكى ننال البركات العظام عندما نمنع أنفسنا عنها؟"

لم يتحدث أحد عن "تسهيل" الوصول للخطأ، لكن اسأل نفسك لماذا لم يخفى الله الشجرة من أمام آدم ويحل المشكلة كلها من البداية؟ ألم يكن ذلك أكثر سهولة؟ لكن الله لم يفعل ذلك، بل قام بتحذيره من خطورة ذلك، ثم ترك له حرية إتخاذ القرار فقط ليتعلم معنى فكرة الإرادة، "هذا سيتسبب لك فى ضرر، فإذا صممت على فعله فلتتحمل تبعات ذلك".

هكذا فقط تشكلت الطبيعة الإنسانية وعرفنا معنى حرية الإختيار، وعرفنا معنى الثواب والعقاب.

والآن...

هل أستطعت رؤية النمط الفكرى المريض القابع خلف المطالبة بوجوب ((إخفاء)) الأكل من أمام الصائم، و((حجب)) المواقع الإباحية عن الناس، و ((تغطية)) الفتيات أمام الرجال؟؟ هل أدركت الآن الحقيقة خلف ما يطالبون به؟؟

إذا كنت قد لاحظت الخيط الواصل بين كل تلك الأشياء، فلقد حللت الفزورة، فهنيئاً لك.

أندرو جورج
16-12-2011

10 سبتمبر 2011

خواطر سوداوية إيجابية

أعانى من إكتئاب وفراغ شديدين، رغم أننى حالياً أعمل وأعلم جيداً ما أريده، هدفى الوحيد حالياً كهدف المليارات ممن سبقونى ومن سيأتوا بعدى، مستقبل أفضل! كلمة مطاطة ليس لها أى معالم، ليس لها شكل محدد، أو إطار زمنى أو أى شىء يجعلنى أرى حدودها. حالة تذكرنى بألعاب الستراتيجى التى كنت أحب لعبها على الحاسب فى طفولتى المشردة عندما كان لا يظهر لى سوى بقعة الأرض المحيطة بى والباقى مظلم تماماً لا أعلم محتواه! كنت فيما سبق أشعر بالراحة نوعاً ما، لا لشىء سوى أننى كان لدىّ أهداف صريحة محددة المعالم محدودة بإطار زمنى معروف، مثلاً عندما كنت فى الجامعة، كان لدّى عدد محدد من المواد وكميات معروفة من المواضيع التى يجب أن أدرسها لكى أدخل إمتحان فى اليوم الفلانى، ثم أنجح فيه، وحينها فقط أشعر بطعم النجاح وأننى أنهيت خطوة فى المشوار و وصلت لـ Checkpoint ما فى الطريق، لكن الآن...؟

منذ فترة قريبة حدثت حالة وفاة قريبة من أحد معارفي، وبحكم العادة وبعد الصلاة توجهنا إلى المدافن، و كعادتى فى هذا الموقف العصيب بالذات اؤخر من خطواتى حتى أبتعد عن مركز الحدث قدر الإمكان، ناظراً حولى فى إستهبال واضح راسماً هيئة المتأمل الحزين، حينها لا أعلم لماذا سقطت عينى على ذلك الإسم بالذات، لم يكن إسماً مميزاً بالمرة حتى أننى لا أذكره الآن، لنفترض أنه كان "سمير بولس"، ثم سقطت عينى على التاريخ لأرى أن هذا الشخص توفى فى الستينيات، كان هذا أقدم تاريخ أراه بعينى لشخص "عادى" مات ودفن و...بس كده !


فى هذه اللحظة جال بخاطرى العديد من الأفكار التى لا أدرى ما الذى تسبب فيها: من كان ذلك الشخص؟ ماذا كان يعمل؟ ما هى إنجازاته فى الحياة؟ هل كان موظفاً لا يعيش سوى لكى يربى أولاده ثم يموت فى صمت كالكثيرين غيره؟ واحداً ممن كانوا يعودون إلى منازلهم بالبطيخة والجريدة، والتى يجلس لاحقاً بعد الغداء ليقرأها فى بلكونة شقته بالفانلة الداخلية و كوب الشاى، ثم يموت فجأة فى سن الخمسين بسبب إنسداد الشرايين بالكوليسترول ويختفى من الوجود كأنه لم يكن؟


سألت نفسى ما الذى تبقى من هذا الرجل الآن؟ وبالتأكيد لا أعنى الناحية المادية، ولكن فى العموم. هذا الشخص توفى فى أواخر الستينيات، أى أنه ببعض الإفتراضات والحسابات البسيطة، لو كان هذا الرجل تزوج فى الثلاثين وتوفى فى سن السبعين أو الثمانين، لكان أبناؤه الآن توفوا بالفعل أو على أفضل تقدير شارفوا على الوفاة بالتأكيد! وبالطبع جميع أصدقاؤه ومعارفه رحلوا منذ زمان طويل بالفعل.إذا كان كل ما تبقى من هذا الرجل هو مجرد ذكري طيبة فى روؤس معارفه، فماذا سيحدث عندما يرحلون جميعاً عن الدنيا؟؟... سيختفى تماماً، سينمحى كيانه كلية من الوجود! إذا كانوا يقولون دائماً أن الإنسان عندما يرحل لا يترك سوي الذكرى الطيبة، فماذا عن إختفاء حتي تلك الذكري بعد إنقضاء عدد قليل جداً من الأعوام؟ هل تخيلت من قبل ماذا سيحدث عندما تموت ثم يموت من كانوا يعرفونك جميعاً وكيف ستندثر تماماً حينها وسط مليارات المليارات من البشر الذين ظهروا على وجه الكرة الأرضية؟



جميع أصدقائى يعرفون جيداً كم أكره محافظة القاهرة، ولكن لم أصارح أحد من قبل بالسبب الرئيسى لكراهيتى لها، ربما لم أصارح نفسى حتى من قبل، أحد أكثر الأسباب التى تجعلنى أكره زيارة العاصمة هى "إحساس النملة" الذى ينتابنى بمجرد وصولى ميدان رمسيس اللعين، فبمجرد نزولى هناك فى وسط كل تلك الأعداد الخرافية من البشر أرى فى داخل رأسى ذلك المشهد السينمائى الشهير بالتصوير البطىء لمجموعات ضخمة من البشر تعبر الطريق فوق خطوط عبور المشاة فى إتجاهات متعاكسة، ثم تصعد الكاميرا إلى الأعلى فى قفزات متتالية سريعة إلى أن يتحول جميع الأشخاص فى النهاية إلى مجرد نقاط سوداء بعيدة لا يمكنك تمييزها، أتحول بإختصار إلى شىء حقير لا يُرى بالعين المجردة !


يقولون أن الشخص الذى يشعر أنه مهم هو الذى يعانى من الغرور والتكبّر، وأن الشخص الذى يعلم كم هو صغير هو الذى يحوز فضيلة الإتضاع، لكن ماذا عن شخص يعلم تماماً ويقيناً كم هو صغير فى هذا العالم، ولكنه يريد تغيير تلك الحقيقة؟! لا أعلم، ربما أفكارى تلك سببها إنتفاخ شديد فى الـ"أنا" لم يسبقنى إليه أحداً من قبل، فبالنسبة لى شخصياً لم أستطع حتى الآن إيجاد -على سبيل المثال- ذلك الخط الفاصل بين الثقة بالنفس والغرور والذى يتحدث عنه الجميع وكأنهم يعلمونه جيدا،ً بينما هم لا يستطيعون تمييز حتى حدوده !

مثلاً انا أرى دائماً عندما أتقدم لأى وظيفة أننى أفضل شخص مرشح لها، فهل هذه ثقة بالنفس أم غرور؟ إن قلت لى أنها غرور لأنه بالتأكيد هناك من هو أفضل منك سأرد عليك أننى أعرف قدراتى جيداً وانا مصرّ على أننى أفضل شخص لهذه الوظيفة، وبالمناسبة هذه هى الإجابة الوحيدة المقبولة فى أى مقابلة عمل شخصية، فمن غير المنطقى أن تتواضع وتجيب من يجرى معك المقابلة بـ"نعم يا عزيزى بالتأكيد هناك من هو أفضل منى، فقط عليكم أن تبحثوا عنه جيداً"! على أى حال هذه نقطة جانبية وليست محور الموضوع.

الحقيقة أننى لا أريد أن أنمحى من الوجود بعد إنقضاء جيلين أو ثلاثة، فبعد إختفاء معارفك وأصدقائك واللذين "يذكرونك بالخير" كما قلنا من قبل، ما الذى سيتبقى منك؟ بعد موت آخر شخص كان يعرفك، ما الذى سيتبقى منك؟ بالتأكيد لا أقصد إسمك الذى سيكون موضوعاً على قطعة من الرخام ليراه أحد الحمقى أمثالى بعد سنوات طويلة ويتسائل من يا ترى كان هذا الشخص المجهول الهوية !

ملحوظة: حاولت مراراً تذكّر لمن كانت الجنازة التى حضرتها وتحدثت عنها فى بداية المقال، لكن لم أتمكن من ذلك نهائياً، يبدو أننى حضرت الكثير من الجنازات حتى لأنى لم اعد أذكر تلك التفاصيل التافهة مثل شخصية المتوفى !

اندرو جورج 
09/09/2011

09 مارس 2011

أحياناً يجب أن تنظر إلى الخلف



منذ أن كنت طفلاً وكان يشغلنى دائماً نموذج الطفل الروبوتى الأنانى، هذا الطفل الذى ربّاه أهله على مبادىء مثل "مش مهم أى حاجة المهم تطلع الأول على الفصل" و "إياك تسمح لحد من صحابك يعطلك عن مذاكرتك" و"مصلحتك أهم حاجة"، تلك المبادى التى تجعل الطفل ينشأ مصاباً بمتلازمة الشهيرة، لتجده طفلاً لا يأبه لشىء سوى نجاحه الشخصى، لا يهتم كثيراً بمشاعر من هم حوله، يتخلص من كل صديق مستواه الدراسى يقل عنه ولو قليلاً فـ"مصلحتك أهم حاجة" ولا يماثلها شىء آخر أهمية، ولا حتى العلاقات الإنسانية !

كل همّه أن يتقدم إلى الأمام مقطّعاً أى رباط قد يمنعه من التقدم حتى ولو كان أهم الرباطات الشخصية لديه، ولو شعر للحظة أن شىء ما قد يبطىء تقدمه ولو قليلاً فهو يتخلى عنه دون أن يفكّر لحظة مهما كانت أهمية هذا الشىء، حتى ولو كان أقرب الأصدقاء أو الأحباء، كلما همّ بإتخاذ أى قرار يتردد فى رأسه الصوت القائل "مصلحتك أهم حاجة" فلا يطيل التفكير كثيراً...

نعم انا هنا مازلت أتحدث عن الأطفال، فقط أغمض عيناك وعد بذاكرتك إلى الوراء قليلاً وانا متأكد أنك ستعلم ما أتحدث عنه، فإما أنك كنت أحد هؤلاء، أو أنك عرفت بعضاً منهم فى طفولتك، فقد كان يوجد منهم إثنان على الأقل فى كل فصل فى المرحلة الإبتدائية بالتحديد! لكن هذا النموذج لم يكن ذا تأثير خطير، من منا قد يحزن الآن عندما يتذكر أن أحد أصدقائه فى مرحلة الطفولة فضّل عنه شيئاً آخر على أى حال؟؟
عندما كنا أطفالاً كنا سريعى النسيان، تشفى جروحنا وتختفى بسرعة البرق، ولا يبقى منها شيئاً بعد فترة وجيزة.

مرّت سنون كثيرة وكبرنا وسقط هذا النموذج من ذاكرتنا تماماً، حتى وصلنا إلى مرحلة الدراسة الجامعية ووجد كل منا مجموعة الأصدقاء القريبة منه التى يرتاح لوجوده فى وسطها، تلك المجموعة التى يشعر معها بالدفء، التى يعلم جيداً أنهم على إستعداد للوقوف إلى جانبه مهما كلّف الأمر، أنهم حتى على إستعداد لتلقّى الرصاص من أجله.

ولكن لأن الزمن لا يبطىء أبداً فإن تلك الفترة تجرى أيضاً بكل ما فيها من أوقات جميلة، وبكل ما فيها من جروح غائرة، وبكل ما فيها من علامات تركتها على وجوهنا و أرواحنا، حتى لتشعر أن تلك الفترة قبل أن تنتهى قامت بإعادة تشكيلك من الداخل تماماً كما يفعل النحّات بقطعة الحجر الصماء، تمر تلك الفترة أيضاً وفى النهاية لا يتبقى لك منها سوى هؤلاء الأصدقاء اللذين ظفرت بهم.

بعدها تأتى تلك المرحلة البغيضة، المرحلة التى تشهد محاولاتك المستميتة للحفاظ على من كانوا حولك وكأنك تتحدى الزمن الذى يحاول بكل ما أوتى من قوة التفريق بينهم وبينك، تستميت فى الدفاع عن حقك فى الإحتفاظ بهم، تصبح كالمخبول الذى يحارب فى كل الإتجاهات للحفاظ على علاقاته بهذا وذاك دون أن يسقط منه أحداً، فقط لتفاجأ ببعضهم وقد  قرر بنفسه الإبتعاد والتخلى عن كل شىء، والمضى قدماً بحياته دون أى سبب واضح، وتبدأ فى ملاحظة تلك الأعراض الشهيرة عليه وأنت صامت ومكبّل تماماً لا تعلم ما يجب فعله !

وكأنهم أدركوا أهمية الوقت فجأة، ينقلب حالهم تماماً، يقررون إسقاط جميع العلاقات الإنسانية التى كانت تجمعهم بأصدقاء الكفاح معتقدين أن إسقاط تلك الفترة التى كانت مليئة بالجروح القديمة هو شرط أساسى لدفعهم إلى الأمام <..>، تجده يبدأ فى الإبتعاد والإنسلاخ عن المجموعة بالتدريج، ولأن الضمير الإنسانى عادة لا يسمح لصاحبه بأن يفعل ذلك بسهولة، تجد هذا الشخص يقوم بتبرير ما يفعله لنفسه بأى سبب ساذج أبسطهم إنشغاله الدائم، ثم يقوم بتخدير ضميره تماماً بأن يحضر المناسبات التى يراها هامة فقط، فتجده يظهر مجاملاً بإستمرار فى جميع الأفراح والجنازات الخاصة بأصدقاؤه وكأنه يقوم بعمل الواجب، أما أن يقرر الخروج مع نفس مجموعة الأصدقاء لقضاء بعض الوقت معهم فهذا يحتاج لحسابات طويلة، فمن المؤكد أن هناك الكثير من الأشياء الهامة التى هى أولى بأن يفعلها فى مكان ما !

أذكر جيداً أثناء دراستى فى الكلية بعض تلك الخواطر التى كانت تأتينى بخصوص الأشخاص الآليين اللذين كنت أقابلهم بإستمرار، هؤلاء اللذين يتحركون وكأنهم يعملون بالريموت كونترول، وقتهم هو أثمن ما لديهم ولا يقدّرون أى شىء آخر، كنت دائماً اتسائل كيف يعيش هؤلاء؟ إذا كانوا يبخلون بوقتهم هكذا دائماً على من حولهم فكيف يعيشون؟ كيف يتعامل هذا الشخص مع أصدقائه وأقربائه؟ ولكن هذا لم يكن ليشغلنى كثيراً فأنا لم أكن أعرفهم جيداً على أى حال، أما أن تجد بعض أقرب الناس لك يتحولون لهذا النموذج، فهذا شىء يستحق التوقف عنده.

و لأنى كنت ألاحظ هذا النموذج دائماً وكنت ممن عانوا من آلام فقدان بعض أقرب معارفهم فى تلك الدوامة، قررت بمجرد أن تخرجت و وجدت فرصة عمل ألا أتحول مهما حدث إلى هذا النموذج الأنانى الذى أمقته أشد المقت، إتخذت قراراً ألا أفوّت أى فرصة لرؤية أصدقائى حتى لو كنت مقتولاً من الإجهاد ولدىّ من الأشياء ما يحتاج إلى الوقت بالفعل، قررت أننى لن أسمح لنفسى أن أتحوّل إلى إنسان آلى خال من المشاعر، لا ينظر سوى فى إتجاه الأمام متحاشياً تماماً رؤية من يقفون بجانبه، كيان خاوى لا يهتم بشىء سوى وقته الذى أصبح فجأة وبدون سبب أثمن من أن يضيع برفقة مجموعة من الأصدقاء.

لا أعلم لماذا قررت فجأة كتابة خواطرى بخصوص هذا الموضوع، لكنى عندما جائتنى تلك الأفكار اليوم لم أستطع إلا أن أكتبها، لعلها تنبه شخص لم يبدأ فى التحوّل بعد من تبعات الدخول فى هذا الطريق، أو تدق ناقوساً لدى أحد من ضاعوا فيه بالفعل فتردّه إلى صوابه قبل فوات الأوان.

فقط حاول أن تعطى بعضاً من وقتك لأحباءك، وتأكد تماماً أن هناك مجموعة من الحمقى فى مكان ما يفتقدون وجودك فى وسطهم بشدة، لكنهم أصبحوا يتحاشون التحدث عنك، ليس لأنهم نسوك، ولكن لأنهم يشعرون بغصة شديدة فى حلوقهم بمجرد تذكر فقدانهم لك بسبب أنانيتك التى لم تستطع أنت التحكم فيها.

أندرو جورج
09/03/2011